
اجتماع رومبيك 2004 كـ “صك اتهام”: التشريح السياسي والأخلاقي لفساد جيل التحرير وإخفاق الدولة في جنوب السودان
واجومانيوز
بقلم :فرانسيس مايكل
مقدمة:
يمثل اجتماع الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي عُقد في رومبيك في الفترة من 29 نوفمبر إلى 1 ديسمبر 2004، محطة مفصلية وكاشفة في تاريخ الحركة. جاء هذا الاجتماع قبل أسابيع قليلة من التوقيع المرتقب على اتفاقية السلام الشامل (CPA) في يناير 2005، وهو الاتفاق الذي أفضى لاحقا إلى إقامة دولة جنوب السودان المستقلة عام 2011. وعلى الرغم من النجاح السياسي والعسكري للحركة في دفع الخرطوم نحو طاولة المفاوضات، كشف اجتماع رومبيك عن خلافات عميقة في الهيكل القيادي والمؤسسي، وعن أزمة حكم كانت تتشكل بوضوح داخل الحركة.
اندلعت الأزمة ظاهرياً حول شائعات تتعلق بمؤامرة لإقالة النائب الأول للرئيس ورئيس الأركان العامة حينذاك، القائد سلفا كير ميارديت (رئيس جنوب السودان حاليا)، من قبل الرئيس، القائد الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور. إلا أن الأهمية الجوهرية للاجتماع تكمن في أنه وفر منصة نادرة سمحت لأطياف القيادة، من الصف الأول وحتى الكوادر العسكرية، بالتعبير الصريح عن التدهور المؤسسي المتسارع، وتفشي الفساد، وتآكل الهياكل التنظيمية، وهي كلها أعراض للحكم الفردي المتنامي داخل الحركة. بالتالي، لم يكن اجتماع رومبيك مجرد محاولة لاحتواء صراع سلطة شخصي، بل كان محاولة لمعالجة التناقضات الداخلية المتفاقمة والقصور البنيوي قبل الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة.
أهمية المقال:
يهدف هذا المقال إلى تحليل التحديات الهيكلية والإدارية والسياسية التي كشفت عنها تصريحات المسؤولين في اجتماع رومبيك عام 2004. وتكمن أهميته في أنها تسعى لوضع هذه التحديات في سياقها التاريخي والنضالي الأوسع، بما في ذلك الانشقاقات السابقة كـ “انشقاق الناصر”، لتفسير العلاقة السببية بين الفشل في معالجة هذه التناقضات البنيوية قبل الاستقلال، وبين إضعاف الأسس المؤسسية لدولة جنوب السودان الجديدة، مما ساهم في اندلاع الصراع الداخلي العنيف لاحقاً.
في هذا المقال نتناول تقييم مدى نجاح الاجتماع في احتواء صراع السلطة بين مراكز القوى “تيار جون قرنق/ سلفا كير وتيار رياك مشار” على خلفية تاريخية مثقلة بالانشقاقات. كما أن الجدال بأن مخرجات الاجتماع لم تتجاوز كونها “تسوية شكلية” أو حلاً تكتيكياً مؤقتاً لنزع فتيل الأزمة الراهنة، دون تقديم معالجات جذرية لأزمة الهيمنة وغياب المؤسسية. كذلك المناقشة بأن الفشل في حسم هذه التناقضات البنيوية خلال عام 2004 أدى إلى تكريس الانقسامات، مما مهد الطريق لانفجار الصراعات العنيفة بعد الاستقلال، وجعل اجتماع رومبيك شاهداً على عمق الأزمة وليس حلاً لها.
هذا المقال تلخص إلى أن اجتماع رومبيك لم يكن سوى مؤشر مبكر وواضح على هشاشة الوحدة الداخلية للحركة الشعبية، وهي الهشاشة التي انتقلت لاحقاً لتقوض أركان الدولة الوليدة.
اولاً: التحول من التنظيم العسكري إلى المؤسسة المدنية
تواجه حركات التحرر مثل الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي، تحدي التحول من هيكل تنظيمي عسكري هرمي يركز على الطاعة والقيادة المركزية (قيادة الفرد) إلى هيكل حكم مدني يستند إلى المؤسسية، واللامركزية الإدارية، والمساءلة الديمقراطية. كما أن هيمنة شخصية القائد الأوحد (Cult of Personality)، التي تخدم أهداف الحرب ”الثورة“، تصبح عقبة كبيراً أمام بناء مؤسسات دولة حديثة بعد الحرب.
ثانياً: تحدي الأخلاق السياسية (Political Ethos) بعد الصراع.
عادة ما يعيش القادة الذين أمضوا عقوداً في النضال تحت اقتصاد الحرب (War Economy) الذي يتسم بندرة الموارد وغياب الرقابة. عند الاقتراب من السلطة وتدفق الموارد (كما حدث مع عوائد النفط بعد اتفاقية السلام الشامل 2025)، يتحول تحدي البقاء إلى تحدي الاستيلاء على الموارد (Resource Capture). حيث إن غياب الهياكل الرقابية الصارمة والمحاسبة الداخلية يمهد الطريق لترسيخ ثقافة الفساد والنهب بدلاً من ثقافة خدمة الشعب. وقد أشار محللون إلى أن الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، تحولت من “حركة عسكرية” إلى “مشروع اقتصادي- عسكري” طويل الأمد.
التحليل المفصل لتحديات الحركة الشعبية في رومبيك
قدمت مداخلات قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان في رومبيك، كشف حساب لاذع للتدهور المؤسسي داخل الحركة، يمكن تجميع هذه الانتقادات في محاور تحليلية رئيسية:
1- أزمة القيادة والهيكل التنظيمي (The Crisis of Structure and Authority)
كانت أبرز التحديات التي كشفت عنها تصريحات القيادات هي التآكل المتعمد للهياكل المؤسسية واستبدالها بالقيادة الفردية ويمكن ان نشير إليه على إنه صراع ”قرنق – سلفاكير“.
2- تهميش الأجهزة القانونية
في إجتماع رومبيك انتقد القائد سلفاكير ”الرئيس الحالي لجنوب السودان“ وعدد من القادة (مثل القاضي أمبروز ريينق، وجيمس هوث ماي، وغيرهم) طريقة إدارة جون قرنق للحركة. حيث أشار كير بجلاء إلى: حل المجلس التنفيذي الوطني (NEC)، وقد قال أن قرنق “قتل” هذا الجهاز، الذي من المفترض أن يكون الجهاز الأعلى للحركة، واستعاض عنه بـ “مجلس القيادة” (Leadership Council).
الزعم بأن قرنق “قتل” المجلس التنفيذي الوطني (NEC) – الذي كان من المفترض أن يكون أعلى جهاز تنفيذي وتشريعي للحركة – واستبدله بـ “مجلس القيادة” يدل على تركيز شديد للسلطة في يد القائد قرنق، مما حول الحركة من نموذج تنظيمي ذي طابع مؤسسي إلى نموذج يعتمد إلى حد بعيد على الشخصية القيادية (Personalized Leadership). أي تعطيل الـ NEC، وهو الجهاز الذي يمثل القيادة الأوسع للحركة، ويقلل من المساءلة الداخلية والشفافية، ويجعل القرارات تبدو وكأنها صادرة عن مجموعة ضيقة بدلاً من إجماع الحركة، وهو ما أدى بالفعل إلى تصدعات داخلية وعدم الرضا بين القادة الذين يشعرون بالتهميش.
لكن في الوقت نفسه ”إجتماع رومبيك“ كان النقد يسلط الضوء على الصراع التقليدي في حركة التحرر بين الأداء الثوري (Revolutionary Performance) الذي قد يتطلب سرعة ومركزية في اتخاذ القرار (كما كان يراه قرنق). مع غياب المبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد التي تتطلب مؤسسات فاعلة وتوزيعاً للسلطة (كما طالب به كير وغيره من قيادات الحركة).
يمكن تفسير تصرف الراحل جون قرنق ”بحسب مداخلات إجتماع رومبيك“ إن صح المزاعم على أنه محاولة لتأمين السيطرة المطلقة على أيديولوجية الحركة ومسارها التفاوضي، خاصة في المراحل الحاسمة من الصراع. ولكن في الوقت ذاته، كان هذا الإجراء بذرة الانقسام التي ظهرت لاحقا، حيث أصبح الخلاف حول الهيكل التنظيمي والقيادة سببًا رئيسيًا للاقتتال الداخلي حتى يومنا هذا (حرب 2013).
في إجتماع نفسه أكد القاضي أمبروز ريينق، الذي شارك في مؤتمر الحركة لعام 1994، أن مجلس القيادة “ليس له أساس قانوني للوجود” (has no legal base to exist)، مشيراً إلى أن الرئيس “حل الأجهزة المؤسسة قانونياً” واستبدلها بمؤسسات “غير قانونية” بشكل أحادي.
3 – تسييس التسلسل القيادي والمركزية المفرطة
شكا سلفاكير من أن الهيكل الجديد للحركة خلق وضعاً يقوم فيه الجميع بـ “الرفع مباشرة إلى الرئيس” (Directly reporting to the Chairman)، بما في ذلك سكرتيرو المقاطعات، متجاوزين نواب الرئيس واللجان التنفيذية. هذا الفشل في التفويض وتركيز السلطة أدى إلى: تعطيل عمل النواب وقد قال كير: “We are three Deputies without functions.” أي أن النواب الثلاثة (كير، ومشار، وجيمس واني إيقا) كانوا بدون سلطات تنفيذية حقيقية.
كان كير يتحدث، أن رئيس الحركة وقتها الراحل ”جون قرنق“ بات “كل شيء” من “ضابط تمويل إلى أدنى مستوى”. هذه المركزية المفرطة تعكس عقلية القيادة النضالية التي لا تثق بالتفويض، لكنها في سياق بناء الدولة تتحول إلى عقبة أمام الحوكمة الرشيدة.
3.1.3. غياب آلية تداول السلطة المؤقتة
تحدث كير أن عند مغادرة رئيس الحركة ”قرنق“ للخارج، “لا تترك أي توجيهات، ولا يترك أحد ليتصرف بالنيابة عنه” هذا التساؤل المباشر والساخر: يوضح أن مفهوم الدولة والمؤسسة لم يكن حاضراً في قاموس الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي في أثناء النضال، بل مفهوم الشخصنة الكاملة للحركة وحتى يومنا هذا، وأعتقد أن الحركة لا تزال تعيش المنوال المستمرة؛ مما أجبرها على الفشل المتكرر وصعوبة معالجة مشاكلها الداخلية.
4 – تفكك الجيش الشعبي لتحرير السودان والجاهزية الأمنية
كانت الانتقادات الموجهة للهيكل العسكري، وهو عماد الحركة، خطيرة وكاشفة، حل القيادة العامة وفشل التنظيم، وقد أكد سلفا كير أن قرنق هو من قام بـ “تفكيك القيادة العامة (General Headquarters)” للجيش. وشكا أن الضباط الرئيسيين مثل مدير الاستخبارات العسكرية يوجَدون في مقر الرئيس بدلاً من مقر القيادة العامة. هذه الممارسات أدت إلى تفتيت الجيش، وتحول المنظومة إلى” جيش الرئيس مقابل الجيش“، وقد ذكر كير أن مقر الرئيس فقط هو الذي يحظى بالزي العسكري والأحذية والإمدادات، بينما نُسي بقية الجيش.
كانت صرخات القادة العسكريين في الاجتماع واضحة، وقد صرح القائد جيمس هوث، الذي شغل منصب ”رئيس أركان الجيش وعدد من المناصب الحكومية بعد الإنفصال“، بجلاء أن ”لا يوجد جيش شعبي مستعد للقتال، وحتى بنسبة له لا يوجد قائد لهيئة أركان الجيش “. وأضاف أن” الجيش غير قادر على إصدار تعليمات له لفعل أي شيء؛ لأنه ليس هناك جيش“.
3.2.2. تحدي الجاهزية للاندماج
أشار كير إلى مسألة حاسمة وهي أن “إذا وُقِّع السلام، فإن السؤال هو: ماذا فعلت الحركة في تدريب كوادرها العسكرية، حتى تصل إلى مستوى نظرائهم في الجيش المتكامل“، (الجيش السوداني) هذا السؤال يؤكد الفشل في إعداد كوادر الجيش الشعبي للتحول من قوات حرب عصابات إلى جيش نظامي يمكنه الاندماج أو بناء جيش دولة جديد، مما كان يعكس فشلًا استراتيجيًا في التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب.
5 – الفساد وغياب المساءلة المالية:
كانت نقطة الفساد هي الأشد حساسية وتنبؤاً، بمستقبل دولة ”السودان الجديد“ حلم الحركة أو دولة جنوب السودان بعد الانفصال“، وقد ربط الفساد بالفشل الهيكلي، ولم يقدم كير اتهامات بالفساد فحسب، بل ربطها مباشرة بغياب الهياكل، وإن الفساد، نتيجة لعدم وجود هياكل، أدى إلى خلق انعدام المساءلة، والذي وصل إلى درجة سيكون من الصعب القضاء عليها“، هذا التحذير المبكر كان يشير إلى أن الفساد ليس مجرد ممارسة فردية داخل الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي، بل نتيجة لهيكل تنظيمي معيب منذ بداية التأسيس.
فقد ظهرت قضية تكوين الشركات الخاصة، وقد قال كير في الإجتماع أن أعضاء في الحركة “شكلوا شركات خاصة، واشتروا منازل ولديهم حسابات مصرفية ضخمة في بلدان أجنبية.” لكن كير حاليا الذي يدير البلاد يشار إليه إنه قام ببناء امبراطورية عائلية من أموال جنوب السودان ”تقرير ذا سنتري 2024“، أما بالعودة إلى حديث كير، هذه التصريحات كانت قد وضعت إطاراً زمنياً مبكراً (2004) لبداية تفشي الفساد المالي في صفوف الحركة، قبل التدفق الكامل لعوائد النفط بعد اتفاقية السلام الشامل (2004) وبعد استقلال الجنوب عن الشمال (2011)، مما يشير إلى أن ثقافة الاستيلاء على الموارد كانت قائمة حتى في ظل الموارد الشحيحة نسبياً للحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان.
6 – التوتر الشخصي وغياب الثقة (Personal Antagonism and Mistrust)
على الرغم من محاولة قرنق تلطيف الأجواء في إجتماع رومبيك، بذكر الصداقة التي دامت 22 عاماً ومسرحية “الأيتام” اللذان بقيا من بين المؤسسين وهم ”قرنق وكير“، فإن النقاش في الاجتماع كشف عن فجوة عميقة بالفعل تتعلق بغياب الثقة، وقد أكد الراحل قرنق أن الشائعات حول إقالة كير “كذب” و”دعاية كبيرة” يروجها “أعداء الحركة” لتأخير السلام. بينما رد كير، قائلاً إن الشائعات جاءت” من نيروبي وحول قيادة الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، وهو ما يُلقي اللوم ضمنياً على الدائرة المقربة من قرنق.
وقد عبّر العديد من القادة (مثل القائد إلياس وايا) عن عدم اقتناعهم برد الرئيس، وقال إن القائد سلفاكير غير مقتنع، والجميع غير مقتنعين برد فعل الرئيس تجاه القضايا التي أثارها القائد سلفاكير“، هذا يكشف أن الأزمة لم تكن مجرد شائعة خارجية، بل هي عرض لأزمة داخلية عميقة ومستمرة في فقدان الثقة.
المناقشة: السياق النضالي وتداعيات الفشل الهيكلي
يجب وضع تحديات رومبيك في سياقها الأوسع:
اولاً: فشل التعلم من التاريخ النضالي (The Failure to Learn from History)
الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت مثقلة بتاريخ من الانشقاقات (أبرزها انشقاق 1991) الذي قاده دكتور (رياك مشار ولام أكول) وقد انضم إليهم لاحقا كاربينو كوانين، كان الانشقاق نتيجة خلافات عميقة حول قيادة الحركة وأهدافها، هذه الانشقاقات كانت دائماً تتذرع بأسباب هيكلية وإدارية، لكنها كانت تخفي صراعاً على السلطة. وقد أشار القائد جيمس هوث ”اجتماع رومبيك“، إلى هذا النمط التدميري، وقال إن عندما بدأت الحركة، كان عدد القادة سبعة والآن أصبح العدد اثنين فقط ”قرنق وكير“، خمسة ماتوا بسبب مشاكل مع قرنق، ووجه سؤولاً ”لقرنق“ لماذا لديك مشاكل مع زملائك؟.
ويمكن أن نشير هنا أن فشل قادة الحركة في وضع قواعد مؤسسية للحكم الداخلي عوضا عن الاكتفاء بالولاء الشخصي لقائد واحد “يعني أنهم لم يتعلموا من دروس الانشقاقات والخلافات داخل الحركة حتى الآن، وأن آليات حل الصراع الداخلية ظلت متخلفة ولم ترتقي إلى مستوى الحلول السياسية في المدن.
في ختام النقاشات الحادة ”رومبيك”، وعد قرنق بإجراء إصلاحات داخلية، لكنه أصر على أن التغييرات يجب أن تكون “بطيئة” (slow change)، وأُجِّل الحل الجذري للقضايا الهيكلية إلى “المؤتمر الوطني الثاني” الذي سيعقد “في أقرب وقت ممكن بعد التوقيع على اتفاقية السلام”.
هذا “تأجيل الحل” كان استراتيجية تهدف لتوحيد الصف للمرحلة الوشيكة (التوقيع على اتفاقية السلام الشامل)، لكنه أهمل حقيقة أن ضعف الهيكل الإداري والفساد المالي كانا ينموان بسرعة كبيرة. وقد أشار القادة الحركة إلى أن هذا المؤتمر “من غير المرجح أن يأتي قريباً” و”ليس له أهمية الآن” لحل المشاكل الهيكلية الفورية. لكن هذا التأجيل وقتها ثبت أنه قاتل، فقد حالة وفاة قرنق المفاجئة عام 2005 دون انعقاد المؤتمر، ووُرِّث الهياكل المعيبة إلى دولة جنوب السودان الوليدة (2011) بقيادة الرئيس سلفاكير الذي كان يطالب بالعدالة والشفافية والحكم الرشيد للحركة، وقد شاء أن يكون هو القائد الذي يطبق نظرية حكم الفرد الواحد للحركة المزعوم في عهد الراحل قرنق.
ثانياً: توريث ثقافة الأزمة في بناء الدولة
عندما أصبحت الحركة الشعبية هي ”حكومة جنوب السودان“ بقيادة سلفاكير، بعد اتفاقية السلام الشامل ثم دولة مستقلة (2011)، ورثت الهياكل التي اُنْتُقِدَت في إجتماع رومبيك، من المركزية والشخصنة، وتحولت القيادة الفردية المزعوم للراحل قرنق إلى نموذج حكم مارسه خلفه الرئيس سلفاكير، حيث بقيت المؤسسات ضعيفة في مواجهة السلطة التنفيذية المركزية المفرطة، وازدهر الفساد الذي حذر منه كير نفسه عام 2004 ليصبح فساداً ممنهجاً، مدعوماً بهياكل ضعيفة وقيادة لا تحاسب، وقد اعترف الرئيس كير، بشكل متكرر عن هذا الفشل، وقال بصريح العبارة ”أنه يبحث عن الحل“ في أداء القسم لوزير المالية (2023) في إشارة إلى إقالة المسؤولين وإعادة تعيينهم في المناصب نفسها ”عملية التدوير للقيادات“، وظلت قوت الجيش الشعبي لتحرير السودان (التي أصبحت جيش جنوب السودان) ممزقة بين الولاءات الشخصية والقبلية (كما أشار كير في إجتماع رومبيك إلى التركيز على أهل قرنق)، عوضا عن الولاء للمؤسسة والدولة، وهو ما فجر الصراع الداخلي المسلح عام 2013، بعد أن اصبح الجيش منقسم على أساس قبلي وفشلت الدولة في تاسيس جيش نظامي مدرب.
ثالثاً: الحاجة إلى حوار الجنوبي – الجنوبي الحقيقي
أشار قرنق في اجتماع رومبيك، إلى أهمية حوار الجنوبي – الجنوبي (South-to-South dialogue)، لكنه رفض “الوساطة الخارجية” في هذا الشأن. ورغم أهمية الحوار، فإن الحركة الشعبية نفسها لم تكن مستعدة على دمج جميع الفصائل الجنوبية المسلحة وحتى الأحزاب السياسية الجنوبية، بشكل حقيقي أو إصلاح نفسها أولاً بإزالة كل الخلافات الداخلية العسكرية والسياسية.
الخلاصة والاستنتاجات النهائية:
تُظهر مخرجات ورقة رومبيك 2004، أن تحديات الحركة الشعبية لتحرير السودان لم تكن في القضاء على الخلافات الشخصية (قرنق- كير وغيرهم)، بل في الفشل الجذري في بناء مؤسسات حكم ذات مصداقية ومحاسبة في مرحلة التحول من حركة تحرر إلى حكومة تنتظر الدولة.
كان الفشل المؤسسي يسبق الاستقلال بالفعل، وكانت بذور فشل الدولة اللاحق هي ”الفساد والصراع الداخلي“ تقرير (لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة 2024) متأصلة في الهيكل التنظيمي المعيب للحركة قبل استقلال الجنوب عن الشمال، والمتمثل في إضعاف الأجهزة القانونية والاعتماد على القيادة الفردية المطلقة.
والحقيقة هي أن محضر اجتماع رومبيك الذي ظهر للعلن بعد سنوات من الاجتماع، أي بعد وفاة قرنق، كشف عن تحول مبكر في أخلاقيات القيادة نحو الاستيلاء على الموارد، حيث كان الفساد المالي قد بدأ بالتفشي قبل التدفق الكبير لعوائد النفط، مما يشير إلى أن غياب المساءلة كان القاعدة لا الاستثناء.
ونتيجة لضعف الجيش الممنهج، تفكك القيادة العامة للجيش وعسكرة السلطة في يد الرئيس أدى إلى خلق جيش ممزق، يفتقر إلى التدريب والولاء المؤسسي وإهمال قدامى المحاربين، مما جعل الجيش أداة للصراع الداخلي عوضا عن أن يكون حامياً للدولة والشعب.
النقطة المهمة حاليا هو قادة الحركة الشعبية قد نجحوا في إتمام المرحلة النضالية وتوقيع اتفاقية السلام الشامل، لكنهم فشلوا بامتياز في معالجة التحديات الإدارية والسياسية الهيكلية التي كشفها اجتماع رومبيك، مفضلون وحدة الظاهر على إصلاح الجوهر. هذا الإخفاق شكل عبئاً ثقيلاً ورثته جمهورية جنوب السودان، مما أدى إلى انهيارها في أزمة سياسية وعسكرية بعد سنوات قليلة من قيامها.
في الختام كان اجتماع رومبيك يمثل نقطة تحول كبرى، حيث كشف بوضوح عن عمق الأزمة الداخلية التي كانت تضرب الحركة الشعبية لتحرير السودان. عُقد الاجتماع أساسًا لمحاولة احتواء التوترات الشديدة التي كانت تتصاعد بين قيادات الصف الأول، وتحديداً الأطراف الموالية لجون قرنق، سلفا كير، ورياك مشار. كان الهدف المعلن هو “إصلاح ذات البين” ونزع فتيل الأزمة عبر جمع كافة القيادات العسكرية والمدنية ومجلس القيادة بهدف امتصاص الغضب الداخلي. لكن، على الرغم من أهميته الظاهرية، اتسمت مخرجات اجتماع رومبيك بالسطحية البالغة؛ فقد قدم حلولاً مؤقتة ركزت على الجوانب الشكلية والتنظيمية دون أن تتعمق في جوهر الصراع. لقد تجاهل الاجتماع جذور المشكلة الحقيقية المتمثلة في التنافس على السلطة والهيكلة الداخلية للقيادة. وفي المحصلة، كشف الاجتماع عن وجود انقسامات بنيوية حادة وتيارات متصارعة داخل الحركة لم تنجح المصالحة في دمجها بشكل فعال. وبناءً عليه، فشل اجتماع رومبيك في منع الصراع المستقبلي، بل كان مجرد “استراحة” قصيرة سبقت الانفجارات السياسية والعسكرية التي وقعت لاحقاً في جنوب السودان.
يمكن القول إن اجتماع رومبيك 2004 كان بمثابة “شهادة وفاة” مبكرة لـ “السودان الجديد” (New Sudan) الذي حلم به قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، قبل أن تبدأ الدولة المستقلة حياتها.
——
ملحوظة: اعتمد الكاتب في التحليل على محضر اجتماع رومبيك فقط الذي نشرت في عام 2009.
فرانسيس مايكل قوانق: صحفي وباحث في مركز دايفيستي للدراسات الاستراتيجية – جوبا
للتواصل معه francismic22@gmail.com