تذكرة العودة إلى نيفاشا

واجومانيوز

بقلم: أكول قرنق أواج

مرّ واحد وعشرون عامًا على توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا، وما زال الجنوب يسير وكأن الزمن لم يمر، وكأن الحلم الذي وُلد يومها ما زال طفلًا لم يكبر. في ذلك اليوم، علّق الجنوبيون آمالهم على الورق الموقَّع، كما علّق الآباء من قبل أحلامهم على البنادق منذ أكثر من خمسة وخمسين عامًا من النضال.

كانت نيفاشا وعدًا بالخروج من عباءة الحرب إلى عباءة الدولة، ومن منطق الثورة إلى منطق المؤسسات. لكنها، مع مرور السنوات، تحولت من نقطة بداية إلى نقطة تيه.

 

المواطن الجنوبي شهد تحولات سياسية متتالية، حكومات تتبدل، اتفاقيات تُعاد، وجوه تتغير شكليًا وتبقى جوهريًا. لكن الثابت الوحيد ظلّ هو المواطن نفسه: صبورًا أكثر مما ينبغي، وصامتًا أكثر مما يليق بتاريخ معاناته.

واحد وعشرون عامًا كاملة، لم تتحول فيها التضحيات إلى خدمات، ولا الدماء إلى طرق، ولا الشعارات إلى مدارس، ولا الوعود إلى مستشفيات. الولايات ما زالت معزولة عن بعضها، والتعليم يعيش على الفتات، والصحة على الصدقات، والاقتصاد على الصبر، والسياسة على الأزمات.

 

اليوم، حين يثور المواطن أو يحتج أو يتظاهر، فهو لا يخون نيفاشا، بل يطالب بروحها. لأنه لم يخرج ضد السلام، بل ضد السلام المعلّق، المؤجَّل، المعطَّل.

إن صبر الشعوب فضيلة، لكنه حين يطول أكثر من اللازم يتحول إلى إدانة للنخب. والسكوت الطويل لا يعني الرضا، بل يعني أن الجرح كان أعمق من أن يُصرخ به.

 

نيفاشا لم تكن نهاية الحرب فقط، بل كان يُفترض أن تكون بداية العدالة، وبداية الدولة، وبداية الإنسان الجديد. لكننا أضعنا البدايات في زحام السلطة، ونسينا أن الاتفاقيات لا تحكم، بل الرجال.

 

اليوم، بعد واحد وعشرين عامًا، لا نحتاج أن نعود إلى نصوص نيفاشا، بل إلى سؤالها الأخلاقي:

ماذا فعلنا بالحلم الذي سلّمه لنا الشهداء؟

إن احترام الماضي لا يكون بتقديس الاتفاقيات، بل بمحاسبة نتائجها.

فالوطن لا يُقاس بتاريخ التوقيع، بل بتاريخ التغيير.

 

نيفاشا كانت تذكرة خروج من الحرب،

لكننا لم نستخدمها بعد للدخول إلى الدولة.

Translate »