
حين تختبر الكنيسة وعيها أرياط مكوي ، ومستقبل الإيمان في جنوب السودان
واجومانيوز
بقلم: أكول قرنق
ليست أخطر المعارك التي تخوضها الكنيسة في جنوب السودان تلك التي تأتي من خارجها، بل تلك التي تنشأ في داخل وعيها الجمعي، حيث تختلط الذاكرة بالإيمان، والثقافة بالوحي، والتاريخ باللاهوت.
ما حدث في أويل مؤخرًا مع الرجل الذي ادّعى أنه «أرياط مكوي الثاني» لم يكن مجرد حادثة اجتماعية أو جدل عابر، بل كان اختبارًا حقيقيًا لوعي الكنيسة، ولمدى قدرتها على التمييز بين الإيمان الحي والأسطورة المتخفية بثوب الروحانية.
واللافت أن الكنيسة، من المطارنة إلى عامة المؤمنين، وقفت موقفًا موحدًا، رافضًا، وحاسمًا. تناسوا اختلافاتهم، واصطفّوا كجسد واحد. وهذا في ذاته رسالة عميقة: أن الكنيسة، رغم جراحها، ما تزال تمتلك حسّ الدفاع عن جوهر الإيمان عندما يُهدَّد.
لكن القضية لا تتوقف عند شخص، ولا تنتهي عند حدث.
من الرمز إلى الوثن
أرياط مكوي في الذاكرة الشعبية رمز مقاومة وطنية، وهذه قيمة تُحترم ولا تُنكر. لكن حين يتحول الرمز إلى نبي، والنبي إلى صاحب معجزات، والمعجزة إلى مصدر سلطة روحية، نكون قد انتقلنا من التاريخ إلى الأسطورة، ومن الذاكرة إلى الوثن.
الأمر ذاته يظهر عند قبيلة النوير في شخصية نقودينق، حيث تتجاوز الرواية الشعبية حدود التاريخ لتصبح أداة تفسير للواقع، ومفتاحًا لفهم السياسة، والمرض، والمستقبل، وحتى مشيئة الله.
وهنا تبدأ الخطورة:
حين يصبح التراث مرجعًا لاهوتيًا، لا مجرد ذاكرة ثقافية.
مسيح الثقافة أم مسيح الإنجيل؟
في الوعي الشعبي الجنوبي، يُحبّ المسيح كصانع معجزات، وكمخلّص من الأرواح، وكمصدر بركة. لكن يُضعف حضوره كمعلّم يدعو إلى التوبة، وكربّ يدعو إلى الطاعة، وكفادٍ عبر الصليب.
نحب المسيح الذي يريحنا، لا المسيح الذي يغيّرنا.
نحب المسيح الذي يشبه ثقافتنا، لا المسيح الذي ينقّي ثقافتنا.
وحين لا يُقدَّم المسيح كما هو في الإنجيل، يبحث الناس عن بدائل روحية تشبه لغتهم وذاكرتهم أكثر مما تشبه الحق.
لماذا تنتشر الظاهرة؟
لأن التعليم اللاهوتي ضعيف.
ولأن الوعظ غالبًا عاطفي أكثر منه كتابي.
ولأن السؤال يُخيف أكثر مما يُشجَّع.
ولأن النقد يُفهم كتمرد لا كوعي.
في هذه البيئة، يصبح كل من يتكلم بلغة غامضة نبيًا، وكل من يدّعي رؤية صاحب رسالة، وكل من ينسب لنفسه معجزة مرجعًا.
وهكذا تتحول المسيحية من رسالة خلاص إلى سوق روحاني مفتوح.
الكنيسة أمام مسؤوليتها التاريخية
موقف الكنيسة في أويل لم يكن مجرد رفض لحدث، بل كان إعلانًا غير مباشر عن هوية:
أن الإيمان لا يُبنى على الأسطورة،
ولا يُدار بالخوف،
ولا يُغذّى بالخرافة.
لكن هذا الموقف يجب أن يتحول من رد فعل إلى مشروع وعي:
مشروع تعليم.
مشروع تثقيف.
مشروع مصالحة بين الإيمان والعقل.
مشروع تحرير للذاكرة من قدسيتها الزائفة.
فالكنيسة التي لا تعلّم شعبها كيف يميّز، ستضطر دائمًا إلى مقاومة النتائج بدل معالجة الأسباب.
سؤال المستقبل
القضية ليست أرياط مكوي.
ولا نقودينق.
ولا أي اسم آخر.
القضية هي:
أي كنيسة نريده في جنوب السودان؟
كنيسة تحرس الإيمان؟
أم كنيسة تساوم عليه باسم الثقافة؟
كنيسة تقود الوعي؟
أم كنيسة تُقاد بالعاطفة؟
كنيسة تواجه الأسطورة بالحق؟
أم تتعايش معها بالصمت؟
الخاتمة
في لحظة كهذه، يجب أن نتذكر أن الكنيسة ليست مؤسسة اجتماعية فقط، ولا تراثًا ثقافيًا، ولا مساحة روحية عاطفية. الكنيسة، بحسب الكتاب المقدس، هي:
«عمود الحق وقاعدته» (1 تيموثاوس 3:15).
وحين تهتز الأعمدة، ينهار البناء.
وحين تضعف القاعدة، يضيع الاتجاه.
لذلك، فإن دفاع الكنيسة عن وعيها اليوم هو دفاع عن وجودها غدًا.
ودفاعها عن الحق هو دفاع عن مستقبل الإيمان في جنوب السودان.