
الصحبة، الشِلّلية، وإنتاج الصمت قراءة فوكوية–غرامشية في أزمة المثقف الجنوبي
واجومانيوز
بقلم: اكول قرنق
الصحبة والشِلّلية كثيرًا ما تجعلنا نتغاضى عن أهم ما ينبغي أن نتقدّم به في الحكم: العقل النقدي. فوجود أصدقاء لا نرغب في جرحهم، أو علاقات نخشى أن نعكّر صفوها، يدفعنا إلى تفادي المعارك الفكرية الضرورية، لا لغياب القناعة، بل خوفًا من كلفة المواجهة. وهكذا، وبهذا الصمت الناعم، تتسلل إلى الوسط أفكار غريبة وضارة دون أن ننتبه إلى خطورتها إلا بعد فوات الأوان.
من منظور ميشيل فوكو، لا تُمارس السلطة دائمًا عبر القهر المباشر، بل عبر تنظيم ما يُقال وما يُسكَت عنه. الشِلّلية هنا لا تعمل كجماعة اجتماعية فحسب، بل كآلية ضبط للخطاب، تُنتج رقابة ذاتية تجعل المثقف يراجع نفسه قبل أن يراجع الفكرة. فيتحول الصمت من موقف فردي إلى ممارسة جماعية، ومن خيار أخلاقي إلى قاعدة غير مكتوبة.
يبدو أن المجتمع في جنوب السودان، وخاصة وسط مثقفيه، يعيش هذه الثنائية الخطيرة: صداقة بلا مساءلة، وتعايش بلا تفكير. غير أن الصداقة لا تعني السير على الأفكار ذاتها، ولا تفترض الاتفاق في كل شيء. فهناك دومًا مساحات اتفاق ومساحات اختلاف، وقد قيل بحق إن الاختلاف لا يفسد للود قضية. بل إن الود الحقيقي لا يصمد إلا إذا احتمل الخلاف.
التعايش، في ذاته، لا يعني غياب الاختلاف، كما لا يعني الصمت عنه. التعايش هو إدارة الخلاف داخل فضاء عام عقلاني، لا دفنه تحت المجاملات. وهنا يحذّرنا غرامشي من خطورة تحوّل “الحسّ المشترك” إلى أداة هيمنة، حين تُقدَّم بعض الأفكار بوصفها طبيعية أو غير قابلة للنقاش، لا لأنها صحيحة، بل لأنها لم تُواجَه.
من هذا المنطلق، فإن السكوت على المدّ الإسلامي وتغوّله داخل المجتمع الجنوبي ليس حيادًا، بل مشاركة ضمنية في إنتاج الهيمنة. إنه جريمة مكتملة الأركان في حق الذاكرة التاريخية، لأن هذا الصمت سبق أن دُفع ثمنه غاليًا في السودان الكبير، حين فُتح الباب باسم التعايش، ثم أُغلق لاحقًا باسم السيطرة، وكانت النتيجة انفصالًا وصراعًا دامويًا.
الإسلام، في البيئات العلمانية، يظهر غالبًا بوجه ناعم: هادئ، مهذب، يرفع شعار المسافة بين الدين والدولة. غير أن هذا الخطاب، كما يكشف التحليل الفوكوي، انتقائي بطبيعته؛ يستدعي من النصوص ما يخدم لحظة الضعف، ثم يعطّلها لاحقًا في لحظة القوة بآيات أخرى من ذات المصدر. النص هنا لا يكون مرجعية أخلاقية ثابتة، بل أداة سلطة تُعاد صياغتها وفق ميزان القوة.
الإسلام، في بنيته الفكرية، ليس مجرد عبادة روحية، بل نظام شامل يتدخل في السياسة، والقانون، والمجتمع، وحتى أدق تفاصيل الحياة الخاصة. إنه مشروع “تأصيل” لكل شيء، من الدولة إلى غرفة النوم. وحين يُفتح له المجال العام دون مساءلة، لا يكتفي بالمشاركة، بل يسعى إلى إعادة تعريف المجال كله على صورته الخاصة، كما نشهده اليوم في جنوب السودان.
غياب النقد هنا لا يعكس تسامحًا، بل غياب المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي: المثقف الذي يربط المعرفة بالمسؤولية، ويفضح آليات الهيمنة بدل التعايش معها. فالمثقف الذي يختار الصمت حفاظًا على الصحبة، يساهم – بوعي أو بدونه – في إعادة إنتاج ما يدّعي الخوف منه.
التاريخ لا يُحاسب النوايا، بل النتائج. والمجتمعات لا تنهار لأنها اختلفت، بل لأنها علّقت عقلها، وقدّمت المجاملة على السؤال، والصحبة على الحقيقة.