
وكتب مارتن جون …جنوب السودان لا يحتاج إلى انتخابات من أجل الانتخابات
واجومانيوز
بقلم:مارتن أجاوين
تعيش دولة جنوب السودان مرحلة سياسية دقيقة، تجعل الحديث عن الانتخابات المقبلة أكبر من مجرد تحديد موعد للاقتراع أو تجهيز صناديق التصويت. فالانتخابات في أي دولة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وترسيخ الاستقرار، وفتح الطريق أمام التداول السلمي للسلطة والتحول الديمقراطي.
جنوب السودان لا يحتاج إلى انتخابات من أجل الانتخابات، ولا إلى انتخابات تُجرى فقط لإثبات أن العملية السياسية مستمرة. ما يحتاجه شعب جنوب السودان هو انتخابات حقيقية وذات مصداقية، تفتح الطريق أمام الاستقرار والسلام والتحول الديمقراطي، وتمنح المواطن فرصة حقيقية لاختيار من يراه قادرًا على قيادة البلاد.
فالانتخابات التي لا تسبقها بيئة سياسية مناسبة، ولا تتوفر فيها الحريات الأساسية، ولا تسمح للأحزاب والقوى السياسية بالتنافس بصورة عادلة، قد تتحول إلى مجرد إجراء شكلي. أما الانتخابات التي تقوم على المنافسة الحقيقية واحترام إرادة الناخب، فإنها يمكن أن تكون نقطة تحول تاريخية في مسيرة الدولة.
الانتخابات ليست مجرد يوم اقتراع
الانتخابات الديمقراطية تبدأ قبل يوم الاقتراع بوقت طويل. تبدأ عندما يشعر المواطن بأن صوته له قيمة، وأن بإمكانه التعبير عن رأيه دون خوف، وأن الأحزاب السياسية تستطيع تنظيم صفوفها والتواصل مع جماهيرها، وأن المرشحين يستطيعون تقديم برامجهم بحرية، وأن وسائل الإعلام قادرة على نقل الآراء المختلفة دون قيود.
وتبدأ الانتخابات أيضًا عندما تكون المؤسسات الانتخابية قادرة على أداء دورها باستقلالية وشفافية، وعندما يثق المواطن بأن صوته سيُحسب كما أدلى به، وأن نتائج الانتخابات ستعكس إرادته الحقيقية.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل القوى السياسية في جنوب السودان ليس فقط: متى ستُجرى الانتخابات؟ وإنما: كيف نجعل الانتخابات وسيلة لبناء دولة أكثر استقرارًا وسلامًا وديمقراطية؟
لقد عانى شعب جنوب السودان من الحرب والانقسامات السياسية والاجتماعية بما يكفي. ولذلك، فإن أي عملية انتخابية يجب أن تُدار بطريقة لا تعيد البلاد إلى مربع الصراع.
كما أن إجراء الانتخابات لا يعني بالضرورة تهديد السلام. والمطلوب هو إيجاد صيغة تجعل السلام والديمقراطية وجهين لعملية سياسية واحدة.
فالسلام الحقيقي لا يقوم فقط على اتفاقيات بين النخب السياسية، وإنما يحتاج إلى مؤسسات شرعية، ومشاركة سياسية واسعة، وعدالة، وحريات، ومواطنة متساوية.
لا انتخابات حقيقية دون معارضة حقيقية
لا يمكن بناء انتخابات حقيقية دون معارضة سياسية حقيقية. فوجود أحزاب معارضة قادرة على المنافسة وتقديم برامج بديلة ليس تهديدًا للدولة، بل هو أحد أهم عناصر الاستقرار السياسي.
والمعارضة ليست مطالبة فقط برفض سياسات الحكومة، وإنما عليها أن تقدم للمواطن مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا يستطيع الناخب مقارنته بمشروع الحزب الحاكم، كما يطرح ذلك حزب الحركة الوطنية الديمقراطية (NDM).
وفي المقابل، تتحمل الحكومة مسؤولية توفير المساحة السياسية اللازمة للمعارضة كي تعمل بحرية، لأن إضعاف المنافس السياسي لا يؤدي إلى تقوية النظام، بل قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف العملية الديمقراطية بأكملها.
المواطن هو صاحب القرار
ينبغي ألا تتحول الانتخابات إلى صراع بين القوى السياسية حول من يملك السلطة، بينما يبقى المواطن مجرد متفرج.
المواطن هو صاحب الحق الأول في تحديد مستقبل بلاده. ومن حقه أن يرى أكثر من برنامج، وأكثر من مرشح، وأكثر من خيار سياسي، ثم يختار بحرية من يراه مناسبًا.
ولهذا، فإن فتح المجال أمام جميع القوى السياسية والمرشحين الذين يستوفون الشروط القانونية للمنافسة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي عملية انتخابية جادة.
فالانتخابات التي يخشى فيها السياسيون من المنافسة ليست انتخابات مكتملة الأركان، والانتخابات التي لا يجد فيها المواطن خيارات حقيقية لا تحقق جوهر الديمقراطية.
جنوب السودان لا يحتمل انتخابات تتحول إلى سبب جديد للعنف والانقسام. ولذلك، فإن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني والقيادات المجتمعية والشباب والنساء وجميع القوى الوطنية.
على الجميع أن يدرك أن الانتخابات ليست معركة بين أبناء الوطن، وإنما منافسة سياسية يجب أن تنتهي بالفائز والخاسر إلى قبول النتيجة والاحتكام إلى القانون.
الفائز في الانتخابات لا ينبغي أن يتعامل مع السلطة باعتبارها ملكية خاصة، والخاسر لا ينبغي أن يلجأ إلى السلاح أو العنف. هذه هي الثقافة السياسية التي يحتاجها جنوب السودان.
قد تحصل أي حكومة على أشكال مختلفة من الاعتراف السياسي، لكن الشرعية الأقوى والأكثر استدامة هي تلك التي تأتي من إرادة الشعب.
ولهذا، فإن الانتخابات ينبغي ألا تكون مجرد وسيلة للحصول على الاعتراف الإقليمي والدولي، وإنما فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.
إذا شعر المواطن بأن صوته مؤثر، وأن الانتخابات نزيهة، وأن القانون يحميه، وأن السلطة قابلة للتغيير بالطرق السلمية، فإن الانتخابات تصبح خطوة حقيقية نحو بناء الدولة.
أما إذا أصبحت الانتخابات مجرد إجراء شكلي، فإنها قد تفشل في تحقيق الهدف الذي أُجريت من أجله.
الخاتمة
جنوب السودان لا يحتاج إلى انتخابات من أجل الانتخابات، وإنما يحتاج إلى انتخابات تكون بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار والسلام والتحول الديمقراطي.
نحتاج إلى انتخابات تمنح المواطن صوتًا حقيقيًا، وتسمح للمعارضة بالمنافسة، وتفتح المجال أمام البرامج السياسية المختلفة، وتحترم إرادة الناخب، وتؤسس لثقافة التداول السلمي للسلطة.
وفي النهاية، ليست القضية أن نُجري انتخابات بأي ثمن، ولا أن نؤجل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، وإنما أن نصل إلى انتخابات تدعم السلام بدلًا من أن تهدده، وتبني الدولة بدلًا من أن تزيد من ضعفها.
جنوب السودان يستحق انتخابات حقيقية، لا انتخابات من أجل الانتخابات؛ انتخابات تفتح الطريق أمام السلام والاستقرار والديمقراطية، وتمنح الشعب حقه الكامل في اختيار مستقبله.