السلام المزيف: كيف تُدار الحرب في جنوب السودان من الخرطوم إلى جوبا

واجومانيوز

بقلم: اكول قرنق

ما يجري في جنوب السودان ليس انفجاراً عفوياً للعنف، ولا صراعاً خارج السيطرة، بل حرب تُدار بوعي كامل من قبل نخب سياسية وعسكرية تعرف جيداً ماذا تفعل ولماذا تفعله. الحديث عن “تعقيد المشهد” أو “الواقع الصعب” لم يعد سوى لغة تبريرية تُخفي حقيقة واحدة: هناك من يستفيد من استمرار الحرب، وهناك مؤسسات وُجدت لإدامتها لا لإنهائها.

(١)

النخب الحاكمة، المدنية والعسكرية على السواء، لم تفشل في بناء الدولة لأنها عاجزة، بل لأنها غير معنية ببنائها. الدولة الحديثة تعني القانون، والمساءلة، وتقييد السلطة، وهذه كلها تهديد مباشر لمن راكموا نفوذهم عبر السلاح والزبائنية. لذلك، كان الخيار الأسهل هو إدارة الفوضى بدل إنهائها.

 

(٢)

 

اتفاقية السلام المُنشّطة لعام 2018، بل وحتى تلك التي أشرفت عليها الخرطوم، ليست نصاً مقدساً ولا “أفضل الممكن”، بل صفقات نخبوية مغلقة. صُممت لتقاسم السلطة بين أطراف الحرب، لا لإنهائها. تجاهلت عمداً جذور الصراع، وأبقت السلاح في قلب السياسة، وحوّلت مؤسسات الدولة إلى مكافآت تُوزع على قادة الفصائل. النتيجة: دولة مشلولة، وجيش متعدد الولاءات، ومجتمع أعزل.

(٣)

 

الإيغاد ليست طرفاً محايداً. دولها لم تبنِ دولاً ديمقراطية مستقرة لتكون نموذجاً يُحتذى، وما يهمها هو إدارة الأزمة لا حلّها. رضيت باتفاق هشّ لا تقبله لنفسها، لكنه يكفي لإبقاء جنوب السودان في حالة “لا حرب ولا سلام”.

 

(٤)

المؤسسات الوطنية تحوّلت إلى أدوات حرب. الجيش ليس مؤسسة وطنية موحدة بل شبكة مليشيات متنافسة. الشرطة غائبة أو مُسيّسة. القضاء معطل. أما الحكم المحلي، فقد جرى تفريغه عمداً عبر التعيين والعزل والحلّ، في انتهاك صريح للدستور، لأن المجتمعات الحرة تمثل تهديداً لمشروع الحرب الدائمة.

(٥)

 

القبيلة لم تُقحم السياسة صدفة، بل اُستُخدمت كسلاح. التعبئة الإثنية، والتجنيد الانتقائي، ونهب الموارد، كلها سياسات مدروسة لإدامة الصراع وتحويل المواطنين إلى وقود رخيص. ثم يُطلب من هؤلاء الضحايا انتظار الانتخابات، وكأن صناديق الاقتراع تُقام فوق المقابر.

 

(٦)

الحقيقة التي يجب قولها بلا مواربة:

لا سلام طالما ظلت النخب تفاوض نفسها، وتدير المؤسسات، وتحتكر الدولة باسم السلام. الحروب الداخلية لا تنتهي بالخطابات أو الاتفاقيات النخبوية، بل تنتهي عندما يُكسر احتكار العنف وتستعيد المجتمعات القرار والسيادة.

 

غير ذلك، فكل حديث عن السلام، من الخرطوم أو جوبا، ليس سوى إدارة محسّنة للحرب القديمة.

Translate »