الخوارزميات الاستعمارية في القارة الافريقية

واجومانيوز

بقلم: الدكتور/محمد بغداد

إذا كان مفهوم الاستعمالي للخوارزميات هو مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة اللازمة لحل مسألة معينة، وهو ما يقتضي ضرورة انجاز ثلاثة مراحل من اجل الوصول إلى الحل المناسب للمشكلة القائمة وهي (التسلسل والاختيار، و التكرار)،وهو ما يفرض منطق التتابع والاستمرار في بذل الجهود والحرص على تنوع البدائل والخيارات المتاحة، وإعادة المحاولة مهما كان عددها، لتكون النتيجة هي الحصول على الحل الأنسب الذي يتجاوز مغاليق المشكلة القائمة.
وذا كان هذا المعني البسيط والاستعمالي العادي لمفهوم الخوارزميات التي لا يهم كثيرا ارتباطها باسم المنتبه لها والتي أخذت اسمها منه ( محمد بن موسى الخوارزمي )، فإن الغرب انتقل إلى مستوى تنفيذها والاستثمار فيها، واعتمد عليها في إنتاج الثورة الاتصالية الحديثة، لتكون الانجاز الثاني للغرب في العصر الحديث بعد الثورة الصناعية،لتضع الشعوب المستعمرة تحت رحمة ثورة الخوارزميات، التي تجاوزت المرحلة التقنية إلى الطبيعة التفكيرية في التعامل مع الكون وما يستجد من الظروف، في الوقت الذي وقت الشعوب المستعمرة وفي مقدمتها الإفريقية نفسها مكبلة بالثورة الجديدة التي لم تنبه لها إلا في جوانب الاتصال والإعلام، التي فشلت في التعامل معها.
وقد كانت الظاهرة الاستعمارية من بين الأوائل الذين استثمروا في (ثورة الخوارزميات)، لتعتمد عليها في اكتساب الصيغ الجديدة للاستعمار وفق المعطيات الجديدة التي أفرزتها مستجدات عالم اليوم، لتجد الظاهرة الاستعمارية نفسها أمام منجزات ونتائج قليلة التكلفة وفي ظرف زمني قصير، أضعاف ما حققته في المرحلة الكلاسيكية للاستعمار،كون هذه الحركة الاستعمارية قامت بجهود جبارة بالمراجعات ودراسات أسباب فشلها في المرحلة الأولى، وهي الجهود التي بذلتها نخبها الجادة، من خلال الجامعات ومخابر البحث ومركز الدراسات المتخصصة.
فالشعوب الإفريقية تعاني من اكبر مشكلة تواجهها في المرحلة الحالية تتمثل في عدم امتلاكها لنخب حقيقية، تساعدها على تقديم الإجابات المنطقية للمشاكل التي تعانيها، وتوفر لها البدائل القادرة على تجاوز تداعيات الأزمات التي تتورط فيها، ولا تساعدها على التفكير المنطقي الذي يجعل من سلوكاتها قادرة على الانتقال من المرحلة التقليدية إلى المستويات الحضارية، وهو الحرمان الذي يضخم من تشويه صورتها في نظر غيرها، بل يراكم بشاعة الصورة النمطية المتوارثة عنها عند غيرها، حتى بلغ الأمر إلى درجة تحول اليأس من مرحلة الاستنتاج والانطباع إلى مرحلة العقيدة المترسخة، من إمكانية حصول التغير أو الانتقال إلى وضعيات مريحية تكون اقرب إلى تخوم التحضر.
إن الحركة الاستعمارية الحديثة تخلت عن الأدوات الاستعمارية التقليدية، واستبدلتها (بسلاح الخوارزميات)، ليس فقط في المستوى التكنولوجي للثورة الاتصالية، بل سخرتها في سلوكات التعامل الدبلوماسي والسياسي مع القارة الإفريقية،مما جعلها تستغل حرمان الشعوب الإفريقية من النخب الحقيقية، وعجزها عن امتلاك الأنماط التفكيرية القادرة على مساعدة هذه الشعوب على ابتكار الحلول المناسبة للمشاكل المستجدة التي تواجهها،وما يسمى بالنخب الإفريقية في عمومها تبتكر الأزمات وتدفع الشعوب نحو المزيد من العاطفية والانطباعية وصناعة الآفاق الهلامية وتصنع المشاريع الوهمية التي تكب هذه الشعوب المزيد من الانحطاط والتخلف.
ويبرز الفرق واضحا عند مقارنة الحركة الاستعمارية بحركة التحرر الإفريقية، فالأولى انهزمت أمام تضحيات الشعوب الإفريقية وإصرارها على التخلص من الاستعمار، ورغبتها العاطفية في الحصول على الحرية بالمعنى السطحي، ولكنها من خلال اعتمادها على طاقة معاني (الخوارزميات)، استعادة نشاطها وغيرت أساليبها وطورت سلوكاتها، مستغلة غفلة الشعوب الإفريقية وتورطها في مرحلة الزهو بانجازها السطحي المسمى (الاستقلال)، لتعيد الكرة من جديد، وتأتي في ثوب مغاير، لتمارس أقسى وأشد أنواع الاستعمار الذي يجعل هذه المرة الشعوب الإفريقية مرحبة بالاستعمار الذي يحصل على كل ما يريد وبأقل التكاليف وأيسر الأساليب وفي فترة زمنية قصيرة.
لقد خاضت الشعوب الإفريقية وتخوض حروبا وقدمت تضحيات أكثر من تلك الحروب التي خاضتها ضد الاستعمار التقليدي، فهي اليوم تواجه عددا رهيبا من الحروب والصراعات سواء البينية أو الداخلية، مستعينة بالحركة الاستعمارية الجديدة، التي تقدم لها الأسلحة التقليدية بأثمان باهظة، دون أن تتمكن هذه الأسلحة من حسم الحروب أو الصراعات لطرف من الأطراف، وتصر الحركة الاستعمارية على تعميق الخلافات وتعقيد الحروب وتشبيك الصراعات، من خلال ما يسمى المجتمع الدولي والقانون الدولي والمؤسسات الدولية، الذي تبين للجميع انه مجرد أدوات استعمارية هدفها ديمومة الصراعات وتجذير التخلف والانحطاط.
وهو الأمر الذي خلف ويخلف عدد من الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ما يتطلب قرونا طويلة من توفير حلول لها، حتى وإن انطلقت المعالجة اليوم، ووجدت الإرادة الجادة والصادقة لمعالجتها، فقد بلغت بها الحركة الاستعمارية الجديدة من التعفن ما يجعلها تورث القناعة باستحالة المعالجة أو توفير الحلول، خاصة وان الشعوب الإفريقية تواجه مصيرها وتصادم الحركة الاستعمارية الجدية المتسلحة بالخوارزميات، تواجهها بأساليب وأسلحة ومفاهيم تقليدية بالية، تزيد من تعميق الأزمة وتصد أمامها إمكانية الحلول.

Translate »