
دولارات البرلمان: هل هي استحقاق لأداء المهام أم مكافأة صامتة؟
واجومانيوز
بقلم: فرانسيس مايكل
تثير الدفعة الأخيرة التي قدمتها الحكومة لأعضاء البرلمان في جنوب السودان، والبالغة ألف دولار لكل نائب، جدلاً واسعاً وتساؤلات عميقة حول المساءلة والشفافية. في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعصف بالبلاد، وتأخر رواتب الموظفين الحكوميين والجنود لأشهر، يتسال الناس هل “تُعتبر هذه الأموال محاولة لشراء صمت ممثلي الشعب؟”. وهل هذه المكافأة استحقاق أم رشوة صامتة؟
من وجهة نظري، الخلاف ليس حول مبلغ ألف دولار في حد ذاتها، بل في السياق الاقتصادي العام للبلاد. لو كانت الدولة تتمتع بوضع اقتصادي مستقر، وتُصرف رواتب العمال في أوقاتها، لما أثارت قضية ألف دولار هذا القدر من الجدل. المشكلة الأساسية هي في غياب الثقة بالحكومة وشعور المواطنين بعدم العدالة في توزيع الثروات.
عندما يرى المواطنون أن هناك من “يأكل آبار النفط” بينما لا يحصل الآخرون على أبسط حقوقهم، فإن أي دفعة مالية للنواب، مهما كانت صغيرة، تُعتبر استفزازا وتزيد مشاعر الغضب والإحباط.
الحقيقة هي، أن مبلغ ألف دولار لا يكفي لتسوية الديون المتراكمة أو تلبية الاحتياجات الأساسية للنواب، بما في ذلك تكاليف العلاج. ومع ذلك، فإن استلام هذا المبلغ يضعهم في موقف حرج، ويجعلهم عرضة للاتهام بالتواطؤ وتجاهل مطالب الشعب، فكيف يمكن لنائب لا يستطيع تأمين لقمة عيشه أو دفع تكاليف علاجه أن يمثل الشعب بفعالية ويطالب بحقوقه؟، لكن الحكومة تدرك تماما هذا الوضع. فبدلاً من توفير رواتب عادلة ومستحقة لجميع موظفيها، بما في ذلك النواب، فإنها تلجأ إلى تقديم “مخصصات” متفرقة لا ترقى إلى مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
العدالة والمساواة في توزيع الثروة يجب أن تكون أساس الحكم، وليس شراء الذمم بفتات لا يسمن ولا يغني من جوع. هذا النهج الحكومي يؤدي إلى مزيد من الانقسام بين الشعب وممثليه، حيث يعتقد البعض أن ممثلهم قد استلم المبلغ وتخلى عنهم، في حين أن المبلغ نفسه لا يكفي حتى لتلبية احتياجات عائلة العضو البرلماني الذي يعمل دون راتب منتظم لأشهر.
في الواقع، هذه الدفعة لا تُعد مكافأة للصمت ولا حافزا حقيقيا لعضو في البرلمان، بل هي انعكاس لأزمة حكومية عامة، وفشل في تلبية احتياجات الشعب الأساسية، بما في ذلك دفع الرواتب في موعدها.
حتى الآن، لا يستطيع الشعب محاسبة البرلمانيين، ولا يستطيع البرلمانيون رفع أصواتهم في وجه الحكومة التنفيذية لفشلها في تقديم الخدمات. لأكثر من 11 عاما، يعاني نصف الشعب من الجوع، وهناك مليونا شخص لاجئ، واتفاق سلام لم يُنفذ بعد، وبدلاً من أن يُشغل البرلمان بمعالجة هذه القضايا الكبرى، فإنه يُشغل نفسه بالبحث عن لقمة العيش.
وفقًا لمعلومات واردة من البرلمان، يغيب بعض الأعضاء عن الجلسات لأسباب عديدة، منها المرض أو عدم توفر وسيلة نقل. بعضهم يصل إلى مقر البرلمان على متن “بودا بودا” أو “ركشة”، أو سيرا على الأقدام، هذا الوضع يعكس صورة مؤلمة لدولة تسيطر عليها عدم المحسوبية والفساد.
إذا كان مبلغ ألف دولار لعلاج عضو أو المواصلات في البرلمان، فإن الإجابة تعتمد على طبيعة المرض وتكلفة العلاج، ففي الكثير من الحالات، لا يغطي هذا المبلغ تكاليف علاج الأمراض الخطيرة أو العمليات الجراحية، وقد يكون كافيا فقط لتغطية تكاليف الأدوية الأساسية أو الفحوصات الروتينية، وحتى لا يمكن أن يشتري هذا المبلغ سيارة أو توفير الوقود لفترة دورة برلمانية. لكن يظل السؤال قائما حول مصير بقية أموال البرلمانين التي يفترض أن تُخصص لرواتبهم ولتقديم الخدمات العامة للمواطنين أين ذهبت أيضا؟
في نهاية الأمر، قضية دولارات البرلمان، ليست سوى إعادة تصوير للوضع الحقيقي ورسالة يريد من يحكمون البلد توصيلها: أن الحكومة والنواب “يأكلون” أموال الشعب معا. إنها ليست مجرد مكافأة، بل هي دليل على عمق الأزمة التي تعصف بالبلاد، وتأكل ما تبقى من ثقة بين الحاكم والمحكوم.
بقلم فرانسيس مايكل قوانق – صحفي وكاتب