وكتب فرانسبس مايكل.. سلفاكير رئيساً: البرلمان يقطع الشك ويتجاهل الفاتورة!

واجومانيوز

بقلم :فرانسيس مايكل قوانق

ما نتابعه منذ صباح اليوم “الاثنين” ليس مجرد إجراء برلماني عابر أو تعديل قانوني روتيني، بل هو تغيير كامل للخارطة السياسية في جنوب السودان. نحن اليوم نقف على أعتاب مرحلة انتقالية جديدة، يكتنفها الشك القانوني من كل جانب، وتضع مستقبل البلاد بأكمله على المحك.

دعونا نضع النقاط على الحروف: البرلمان القومي أقرّ تعديلاً يمنح الرئيس سلفاكير امتياز الاستمرار في منصبه بكامل صلاحياته السيادية، وفي المقابل؟ يُجيز إقالة نوابه وتجريدهم من مناصبهم قبل ثلاثة أشهر فقط من التوجه لصناديق الاقتراع.

هذا القرار ليس مجرد تجاوز إجرائي بسيط، بل قد يكون انتهاك صريحاً ومباشراً لاتفاقية السلام المنشطة التي لم يتبقَ على انتهائها سوى ساعات قليلة. هذه الاتفاقية أرست مبدأً واضحاً لا يقبل التأويل: “لا يحق للرئيس إقالة نائبه أو إقصاؤه بإرادة منفردة بداعي إجراء الانتخابات”.

شرعية هذه الاتفاقية قامت من الأصل على مبدأ الشراكة المزدوجة؛ بمعنى أن تتحول الحكومة بكامل أركانها إلى “حكومة تسيير أعمال” تُكلف بضمان الترتيبات الأمنية والتنافس العادل حتى تسليم السلطة لرئيس منتخب. أما ما يحدث الآن من تفكيك لمؤسسة الرئاسة عبر تشريع أحادي، فهو ينسف كل الضمانات السياسية والأمنية التي اتُفق عليها.

خلال ساعات، ستدخل البلاد في فراغ سيادي وتمايز سلطوي لصالح طرف واحد طوال فترة الانتخابات. وهذا الإجراء بحد ذاته يقوّض نزاهة العملية الانتخابية برمّتها، ويضعنا أمام مخاطر حقيقية للانزلاق مجدداً نحو مربع الصراع.

يراد للشارع اليوم أن يعتقد أن هذه التعديلات الانتخابية هي ضرورة حتمية لشرعية الحكومة وبدء عصر جديد يُحسم فيه التداول عبر صندوق الاقتراع. لكن عندما نفكك هذه المقولة بحسب الاتفاقية المنشطة، نكتشف حجم التناقض الجوهري الذي يحمله هذا التشريع.

التعديل نصّ بصراحة على إقالة النائب الأول وبقية النواب قبل ثلاثة أشهر من الاقتراع، مع الإبقاء على الرئيس الحالي متمتعاً بكامل صلاحياته التنفيذية والأمنية والعسكرية! وهنا مربط الفرس، وهناك تكمن الخطورة في هندسة المشهد القادم. الإعلام يحاول تصوير التعديل كأنه مادة تنظيمية لمنع التداخل التنفيذي في أثناء الحملات الانتخابية، لكن التحليل النصي يفرز واقعاً مختلفاً تماماً.

لقد ركّز التعديل الجديد على المادة (105) الفقرة (2) من الدستور الانتقالي لعام 2011 لتبرير صلاحية الإقالة الرئاسية. لكن هذا التوظيف تجاهل عمداً أصل الشرعية القائمة، ألا وهي “مؤسسة الرئاسة التشاركية”. منصب النائب الأول ليس مجرد وظيفة تنفيذية تُمنح وتُسحب بمرسوم رئاسي فردي.

استخدام قانون الانتخابات للتخلص من هذا المبدأ والتفرد بالسلطة يعني تعطيل روح الاتفاق السياسي والدستور الانتقالي، وهو ما يناقض صراحة المادة (3) من الدستور التي تقر ببطلان أي تشريع أدنى يخالف الدستور، أو يلغي أحكامه التوافقية.

تجريد الشركاء الأساسيين من صفاتهم الرسمية قبل ثلاثة أشهر من الاقتراع هو إجراء أحادي وغير محايد. إنه ينزع الغطاء السياسي عن أطراف السلام وتحويلهم إلى مجرد منافسين عادين أمام سلطة رئاسية مجردة تتمتع بكل أجهزة الدولة.

سنكون أمام خلل صريح في مبدأ المساواة. طرف واحد يسيطر على الأجهزة الأمنية، والعسكرية، والمالية للدولة بموجب المادتين (101) و(153) من الدستور، بينما يُلزم المنافسون السياسيون بالتخلي عن موقعهم الدستوري الذي كان يوفر لهم ولجماهيرهم حماية وحضوراً رسمياً. هذا البقاء للرئيس بكامل صلاحياته يمنحه الأفضلية المطلقة لتسخير كل إمكانيات الدولة اللوجستية والإعلامية والمالية لخدمة أجندته، بينما يُدفَع بقية الشركاء إلى المعارضة المجردة من أدوات التأثير.

وحتى لو أُعطيت مفوضية الانتخابات صلاحية تشكيل اللجان العليا في الولايات، ففي بيئة سياسية أحادية الناتجة عن تفكيك الرئاسة التشاركية، ستكون المفوضية نفسها عرضة للهيمنة التنفيذية المباشرة، مما يفقدها ثقة المتنافسين، ويجعل مخرجات الانتخابات مطعونة في نزاهتها مسبقاً.

الحزب الحاكم يسوّق للتعديل كأنه مخرج من مظلمة الفترات الانتقالية التي لا تنتهي، لكن هذه الفرضية تخفي فخاً استراتيجياً بالغ الخطورة. النهج الأحادي يفتح الباب أمام تجدد الصراعات التي قد تتحول إلى عنف لا سمح الله.

لماذا أقول هذا الكلام؟

أولاً: لأن تفكيك اتفاق السلام يتم قبل استكمال بند الترتيبات الأمنية وتوحيد القوات. إزاحة القيادات الموقعة على السلام من هيكل الرئاسة قبل إتمام دمج القوات وصياغة العقيدة العسكرية الموحدة، يخلق توتراً أمنياً وشرخاً داخل المؤسسات العسكرية التي ما زالت تحمل ولاءات فصائلية.

ثانياً: سنواجه أزمة شرعية حادة، لأن إجراء انتخابات تفتقر للتوافق وبغض النظر عن الرفض الصريح من المكونات الأساسية الموقعة على اتفاق 2018، سينتج مجلساً تشريعياً ورئاسة “مطعونة في شرعيتها” منذ اليوم الأول. الانتخابات بدون قبول الأطراف الرئيسية ليست حلاً للنزاع، بل هي صانعة نزاعات جديدة.

ثالثاً: هناك انسداد في أفق الحل القضائي. فبالرغم من أن المادة (126) تعطي المحكمة العليا حق الفصل في الدعاوى الدستورية، إلا أن بيئة التفرد بالسلطة تقيد استقلالية القضاء، وتمنعه من البت المحايد، مما يغلق باب الحلول القانونية، ويفتح أفق الاحتكام لوسائل غير دستورية.

في آخر الأمر.. تفكيك قانون الانتخابات يبرهن أنه ليس مجرد وثيقة تقنية لتنظيم الصناديق، بل هو إعادة ترتيب لموازين القوة تلغي الفلسفة التوافقية التي قام عليها اتفاق السلام.

الاستمرار في التسويق الإعلامي للانتخابات كحدث شكلي دون معالجة العيوب الدستورية والهيكلية الفادحة هو مغامرة تجر البلاد نحو أزمة سياسية وأمنية جديدة.

تكافؤ الفرص والمساواة ليسا شعارات مجملة، بل هما الضمان الوحيد لأن تكون الانتخابات وسيلة للاستقرار والتداول السلمي للسلطة.. لا بوابة لإلغاء الآخر والعودة إلى مربع الصراع.

شكراً لكم.

Translate »