وكتب المحامي ايويل لازرو…نعم يا سيادة الوزير… نحن نخاف من مصر

واجومانيوز

بقلم :المحامي: أيويل لازرو كون

قرأتُ حديث معالي وزير الطاقة والسدود، السيد أقوك ماكور، حول مشروع سد فولا، وتوقفتُ طويلاً أمام العبارة التي تصدرت العناوين: «لا نخاف من مصر». وقد نُقلت تصريحات الوزير بالفعل في وسائل إعلام جنوب سودانية ومصرية، مع تأكيده حق جنوب السودان في التنمية واستغلال موارده المائية.
وأنا أقول لمعاليه بكل احترام:
بل نخاف يا سيادة الوزير.
نخاف، ولكن ليس خوف الضعيف من القوي، ولا خوف دولة من دولة، ولا خوف شعب من شعب.
نخاف أن نخسر صديقاً ونحن نبحث عن التنمية.
نخاف أن نحول مشروعاً للكهرباء إلى عنوانٍ للمواجهة.
نخاف أن تقول السياسة ما لم يقله المشروع، وأن تصنع الكلمات أزمةً لم تصنعها المياه.
نخاف لأن العلاقات بين الدول لا تُدار بالشجاعة وحدها؛ بل بالحكمة، وبحساب الكلمة قبل أن تعبر الحدود.
أنا كاتب هذا المقال أخاف. وأظن أن من مسؤولية رئيس الجمهورية ووزير الخارجية وسفارتنا في القاهرة أن يتحسبوا لأي ضرر يصيب علاقة البلدين. كما أن أبناء شعبنا الذين يستفيدون من فرص التعليم والعلاج والتعاون مع مصر لديهم مصلحة مباشرة في بقاء هذه العلاقة قوية.
نحن نحترم مصر؛ شعباً وحكومةً ودولةً. وفي الوقت نفسه، من حق جنوب السودان أن يبحث عن الكهرباء والتنمية واستغلال موارده بما يخدم شعبه. ولا ينبغي أن يكون السؤال: هل نبني السد أم نخاف؟ بل: ماذا سيضيف هذا المشروع لشعب جنوب السودان، وكيف ننفذه بالتعاون والشفافية بحيث لا تتحول التنمية إلى خصومة؟
فالسد ليس غايةً في ذاته.
لا يأكل المواطن الخرسانة، ولا تضيء البيوت بمجرد ارتفاع الجدران فوق النهر. قيمة السد في الكهرباء التي تصل إلى البيوت والمستشفيات والمدارس والمصانع، وفي التنمية التي يشعر بها المواطن.
ومشروع فولا نفسه يُطرح أساساً كمشروع للطاقة الكهرومائية، وتذكر التقارير الفنية المتداولة قدرة بنحو 1,080 ميغاواط، بينما ما تزال مسائل التمويل وموعد التنفيذ بحاجة إلى حسم.
وهنا كان يمكن أن تكون رسالتنا إلى مصر مختلفة:
نحن بحاجة إلى الكهرباء، فتعالوا نتحدث. هذه دراساتنا، وهذه حاجتنا، وهذه آثار المشروع، وهذه الضمانات. أعطونا رأيكم الفني، واقترحوا البدائل، وإن استطعتم فكونوا شركاء معنا في الحل.
بل لماذا لا نستفيد من الخبرات المصرية نفسها في مشروعاتنا الكبرى؟
مصر أعلنت بالفعل عن آليات لتمويل ودراسة مشروعات تنموية وبنية تحتية، ومنها السدود في دول حوض النيل الجنوبي، كما أن لها مشروعات مائية قائمة في جنوب السودان.
إذن، لماذا تكون البداية: «لا نخاف من مصر»؟
لماذا نضع الخوف في جملة لم يكن ضرورياً أن يدخلها الخوف أصلاً؟
يا سيادة الوزير، نحن دولة حبيسة Landlocked Country، وأكثر من غيرنا نحتاج إلى الجسور السياسية والاقتصادية مع جيراننا ومع الإقليم. والنيل الذي يمر بنا لا يعرف جوازات السفر؛ فهو مورد عابر للحدود، ولذلك فإن إدارته بطبيعتها تحتاج إلى الحوار والتنسيق والتعاون الإقليمي.
وقد قلتَ أنت إن مشروع فولا يأتي ضمن مشروعات أُقرت في إطار مجلس وزراء حوض النيل. وهذه في حد ذاتها حجة يمكن عرضها بلغة التعاون لا بلغة التحدي.

وأنت يا سيادة الوزير محامٍ مخضرم.
وقد تعلمنا من المحاماة أن قوة القضية لا تعني أن نصرخ في وجه القاضي. قد تكون مظلوماً، ومع ذلك تقف أمام المحكمة هادئاً، مبتسماً، ترتب دفوعك، وتعرض أدلتك، وتلتمس من القاضي أن ينظر إلى قضيتك بعين القانون والعدل.
فالدبلوماسية أيضاً مرافعة.
لكن قاعتها أكبر، وقضاتها شعوب ودول، ومحضر جلستها يظل محفوظاً في التاريخ.
لذلك لا نحتاج إلى أن نقول لمصر: نحن لا نخاف منكم.
يمكننا أن نقول:
نحن نريد التنمية، ونريدكم معنا فيها.
نقول للمصريين: شكراً لما قدمتم، ولكننا نريد المزيد.
نريد مزيداً من المنح والبعثات التعليمية لأبنائنا.
نريد مزيداً من التعاون الصحي.
نريد تدريباً وبناء قدرات لمؤسساتنا، وفق الاتفاقات التي يتفق عليها البلدان.
نريد خبرات في الكهرباء والمياه والهندسة.
ونريد أن تتحول علاقتنا بمصر من علاقة مساعدات متفرقة إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد بين شعبين ودولتين يجمعهما النيل.
وهذا ليس حديثاً بلا أساس؛ فالتعاون المصري مع جنوب السودان شمل بالفعل مشروعات في المياه والطاقة وبناء القدرات والتدريب.
أما سد فولا، فلندافع عنه إن كان يخدم شعبنا، ولنقدم الدراسات والحجج والضمانات، ولنستمع كذلك إلى مخاوف الآخرين ومقترحاتهم.
فالسيادة لا تتعارض مع التشاور، والقوة لا تعني الاستفزاز، والاستقلال لا يعني أن نستغني عن الأصدقاء.
لذلك، عذراً يا سيادة الوزير…
نعم، نحن نخاف من مصر.
نخاف أن نخسر علاقةً كان يمكن أن نربح من خلالها أكثر.
نخاف من كلمة تهدم في دقيقة ما احتاج الدبلوماسيون سنوات لبنائه.
ونخاف، قبل كل شيء، أن نحول النيل من جسرٍ يجمع الشعوب إلى جدارٍ يفصل بينها.
ليس خوفنا من مصر الدولة أو الشعب.
خوفنا الحقيقي هو من خسارة مصر الصديقة.
فلنبنِ سدودنا إن أثبتت الدراسات حاجتنا إليها وسلامتها،
ولنبنِ معها الثقة،
ولنبنِ الكهرباء،
ولنبنِ العلاقات،
ولنجعل النيل يحمل بين جوبا والقاهرة
التنمية لا الخصومة،
والكهرباء لا التوتر،
والمصلحة المشتركة لا الخوف.

Translate »