
وكتب د.جيمس اوكوك..جنوب السودان بحاجة إلى انتخابات صحيحة وآمنة!
واجومانيوز
بقلم: د.جيمس اوكوك
مقدمـــــــــة:-
في الحقيقة لم تُكتب هذه المقال التحليلي لمعارضة الانتخابات في جنوب السودان أو لانتظار النظرة الكمالية، وإنما لتسليط الضوء بوضوح على ما ينبغي القيام به بصورة عملية، بعيداً عن المراوغة. وتؤكد المقالة أن الهدف من الانتخابات ليس إنهاء الفترة الانتقالية في حد ذاته، لأن ذلك يمكن تحقيقه بوسائل أخرى. فالغاية الرئيسية هي إعادة السلطة إلى الشعب لكي يختار قادته السياسيين من خلال انتخابات قانونية، شاملة، ومتنوعة، وحرة، ونزيهة، وذات مصداقية، في أجواء سلمية يسودها الحوار والتعايش فإن التلاعب بهذه الفرصة غالبا ما سيؤدي إلى نتيجة عكسية ، ولهذا السبب، أعطى التوافق السياسي الأولوية لإصدار الدستور الاتحادي الدائم لجنوب السودان (FCSS)، لإلغاء اتفاقية السلام المنشطة لحل النزاع في جمهورية جنوب السودان لعام 2018 (R-ARCSS)، يليه تعديل قوانين الانتخابات على جميع مستويات الحكومة قبل إجراء الانتخابات العامة. وسيؤدي هذا الإلغاء أيضاً إلى حل الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية لعام 2020 (RTGoNU)، وتكليف حكومة تصريف أعمال لتجهيز أرضية متكافئة لاجرا الانتخابات ومن ثم في نهايتها تسليم السلطة إلى الفائزين.
ومن جانب اخر تقدم هذه التحليل امر مهم جدا ،وهي أن السياق الخاص بالإعداد للانتخابات التي طال انتظارها وتنظيمها وإجرائها وإعلان نتائجها، وكذلك تنصيب الحكومة المنتخبة حديثاً، يختلف اختلافاً كبيراً عن انتخابات عام 2010 العامة قبل الانفصال، عندما كانت حالة عدم اليقين والتضليل والمعلومات المضللة وخطاب الكراهية والعنف محدودة في جميع أنحاء جنوب السودان. ا أُديرت الانتخابات السابقة من الخرطوم في السودان ، مع توفر تمويل كافٍ ودعم فني من المجتمع الدولي والإقليم، أما هذه الفرصة فهي غير متاحة الآن !
ويجب مراقبة المؤشرات الرئيسية لتقييم قابلية إجراء الانتخابات العامة المعلنة في 22 ديسمبر 2026، بدقة، بعيداً عن التفكير القائم على التمني والخداع العام والأوهام الشخصية.
ويتحدد نجاح الانتخابات بدرجة الاستعداد وحجم الإجراءات العملية التي تُتخذ في الوقت المناسب لتحويل المحادثات والتوجيهات إلى واقع. وهذا بالطبع سوف يتطلب وجود أطر قانونية وتنظيمية قابلة للإنفاذ في وقت مبكر،مثلا لتوجيه مراحل الدورة الانتخابية، ما ينبغي إظهار الإدارة والتنظيم الانتخابي، بدءاً من التخطيط وإعداد الميزانية وانتهاءً بتوظيف عدد كافٍ من الموظفين للقيام بالعمل الفني الشاق بصورة مهنية وكفؤة. ويجب التخطيط لتامين الانتخابات في وقت مبكر لمنع التهديدات أو تبديدها، كما ينبغي أن تعكس النتائج المعلنة، بصورة واسعة، إرادة الناخبين.
وينبغي للانتخابات العامة أن تضع أساساً راسخاً وسابقة جيدة لترسيخ وإنبات الديمقراطية الدستورية الاتحادية بصورة استثنائية، لأن ذلك كان مطلباً تاريخياً شعبياً لشعب جنوب السودان. ولهذا يتطلب بذل أقصى الجهود لضمان إجراء انتخابات صحيحة وآمنة ومقننة قانونياً، من دون مقايضات أو تلاعب بتقسيم الدوائر الانتخابية.
من يريد الانتخابات في جنوب السودان؟
هذه سؤال مهم جدا،فلقد أكدت استطلاعات الرأي التي أُجريت في عام 2012، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المواطنين العاديين في جنوب السودان هم الذين يريدون الانتخابات، حتى يتمكنوا من اختيار قادتهم السياسيين الذين يستحقونهم بصورة مرضية. فقد عانى غالبية مواطني جنوب السودان من مساوئ الحكومات الانتقالية المتعاقبة التي لا تخضع للمساءلة أمام الشعب، وإنما أمام قادة اتفاقيات السلام. وقد سئموا الأعذار غير المبررة بشأن عدم تنفيذ اتفاقية السلام المنشطة لعام 2018 إلى حد كبير، رغم التمديدات المتعددة للجداول الزمنية.
ومنذ اندلاع الحرب الأهلية التي ولّدها حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) في عام 2013، لم يركز السياسيون الرئيسيون في البلاد على الانتخابات، وإنما على صفقات تقاسم السلطة التي لطالما وضعت الانتخابات في مؤخرة أجندة السياسة. وقد أدى هذا الوضع إلى إغلاق فرصة إجراء أول انتخابات عامة في جمهورية جنوب السودان منذ عام 2015 وقد نشأ الخوف من قدرة الشعب على استخدام ثقل أصواته الديمقراطية، بما يفوق قوة بنادق التحرير، خلال الفرصة التي أُتيحت له في استفتاء تقرير المصير عام 2011. ولم يتردد الشعب في إنهاء الوحدة مع السودان القديم بأغلبية ساحقة، ويمكن لأصوات الشعب نفسها أن تنهي اتفاقية R-ARCSS وترسل السياسيين ذوي الأداء الضعيف إلى منازلهم.
والفئة الأساسية الأخرى التي تريد الانتخابات في جنوب السودان هي الأحزاب السياسية المحرومة، التي لا تتمتع بامتيازات السلطة من خلال حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية (RTGoNU) بموجب اتفاقية R-ARCSSالمنشطة . وتميل هذه الأحزاب إلى افتراض أن الانتخابات هي الحل الشافي لسوء حظها في التعيينات والإقالات المتكررة التي أصبحت أمراً طبيعياً على جميع مستويات حكومات اتفاقية السلام ــ على المستوى الوطني، والولايات، والمناطق الإدارية، والمقاطعات.
وهناك أيضاً المرشحون المستقلون الذين قد يكونون محبوبين من قبل الشعب وقادرين على الفوز في الانتخابات، لكنهم يُتركون في انتظار عبثاً لهزيمة أولئك الذين يتمسكون بمزايا الالتزام بإطار اتفاقية R-ARCSS، حتى عندما يتم تخفيف روحها ونصها عمداً أو جهلاً. ومعظم هؤلاء الشعبويين هم أعضاء سابقون أو منشقون عن الأحزاب السياسية والمجتمع المدني.
ورغم أن إدارة مثل هؤلاء المرشحين كانت أكثر مرونة إلى حد ما في الانتخابات السابقة في السودان، فإن المادة 57 من قانون الأحزاب السياسية (PPA) لعام 2012، بصيغته المعدلة في عام 2022، قد رفعت وشددت المعايير في جنوب السودان. ويُشترط على المرشح المستقل بموجب القانون ألا يكون عضواً في حزب سياسي لمدة لا تقل عن ثلاثة (3) أشهر قبل الموعد المحدد لاستلام ترشيحات المتنافسين من قبل المفوضية القومية للانتخابات (NEC). وهذا الشرط سيؤدي إلى استبعاد كثير منهم.
كما يتطلع الفاعلون الخارجيون المحبطون والمصابون بالإحباط وغير السعداء في المنطقة وخارجها إلى تغيير القيادة من خلال الانتخابات العامة في جنوب السودان. وهم يشعرون بأن دعمهم الهائل لجنوب السودان قد خانته قلة من النخب التي تعيد تدوير نفسها في السلطة، وبالتالي يمكن أن تكون الانتخابات وسيلة صامتة لمعاقبة هؤلاء السياسيين. ومع ذلك، فإن معضلتهم تتضخم بسبب العواقب المحتملة لـ«انتخابات غير نظيفة» قد لا تكون نتائجها في صالحهم.
كما أن السياسيين في الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية (RTGoNU)، الذين تمتعوا بامتيازات ألعاب السلطة من خلال إطار R-ARCSS، أصبحوا يائسين من إجراء انتخابات صورية، لأن مهاراتهم في التلاعب قد أفسدتها إصرار الأطراف وأصحاب المصلحة والضامنين الإقليميين والمجتمع الدولي على عدم تمديد صلاحية الاتفاقية المنشطة R-ARCSS إلى ما بعد فبراير 2027. فما أساس شرعية حكومتهم الحالية بحلول ذلك الوقت إذا لم تُجرَ الانتخابات في ديسمبر 2026؟ هذا كابوس غير مريح!
إن نهاية الفترة الانتقالية وفقاً لتصميم الاتفاقية المنشطة (R-ARCSS) لا يحددها إلا إجراء الانتخابات العامة، وليس أي ترتيب آخر. كما أن هذه الانتخابات العامة هي مشروطة مسبقاً، إذ ينبغي إجراؤها على أساس النظام الدستوري الدائم والقوانين المعدلة على جميع مستويات الحكومة المنتخبة، لتجنب التناقضات مع القانون الأعلى.
وفي حال لم تُجرَ الانتخابات العامة المتوقعة، فإن مبدأ «عدم وجود فراغ قانوني» سيظل مطبقاً دائماً. وهذا يعني أن الفترة الانتقالية للاتفاقية( R-ARCSS ) لن تنتهي حتى يتم استبدالها إجرائياً بترتيب بديل يتم التوصل إليه من خلال توافق سياسي شامل. وهذا بالضبط ما حدث مع اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 (CPA) والدستور الانتقالي لجنوب السودان لعام 2005 (ICSS)، عندما أُلغيا بموجب الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان لعام 2011 (TCRSS). وشوهد الأمر أيضاً عندما أُدرجت اتفاقية حل النزاع لعام 2015 (ARCSS) في الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، لإنشاء نظام سياسي قانوني جديد. وحتى عندما عادت الأطراف الرئيسية إلى الحرب في يوليو 2016، لم يُسمح بانهيار اتفاقية ARCSS، وإنما استُبدلت باتفاقية R-ARCSS لعام 2018، التي أُدرجت أحكامها في الدستور الانتقالي المعدل لعام 2020.
والطريقة الصحيحة والآمنة لإلغاء (R-ARCSS) هي استكمال عملية وضع الدستور الاتحادي الدائم في أسرع وقت ممكن، نظراً إلى أن 70% من العمل قد اكتمل. وينبغي تشكيل لجنة الصياغة لإنتاج المسودة التي تُطرح للتحقق من صحتها واعتمادها من خلال مؤتمر دستوري شامل ومتنوع. وبعد ذلك، سيكون رئيس اللجنة الوطنية لمراجعة الدستور (NCRC) في وضع أفضل من حيث الثقة والشرعية لتقديم مشروع الدستور الاتحادي الدائم إلى الجمعية التأسيسية، أي المجلس الوطني الانتقالي المعاد تشكيله، حتى يتم إصداره لإلغاء الاتفاقية المنشطة (R-ARCSS) وتوجيه الانتخابات العامة، وفقاً لما تنظمه القوانين الانتخابية المعدلة حسب الأصول.
وتكمن قابلية إجراء الانتخابات العامة التي طال انتظارها في جنوب السودان في نزاهة العملية ومصداقيتها وشرعيتها وقبول نتائجها في الاخر. وهذه هي الممارسة الديمقراطية الفضلى الراسخة التي ينبغي الحفاظ عليها طوال الدورة الانتخابية ــ قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها ــ إلى جانب التوافق السياسي الشامل والأطر القانونية المحدثة، وإدارة انتخابية مستقلة وغير حزبية، والقدرة التشغيلية والتمويل الكافي، والقدرة على التخطيط والتنفيذ الفعال، وتدريب الموظفين والتثقيف المدني، والتسجيل الدقيق للناخبين وترشيح المتنافسين، واحترام تسوية النزاعات والأحكام القضائية القوية، والحملات العادلة وتوفير فرص تنافسية متساوية، والمراقبة المحايدة ووكلاء المرشحين الملتزمين، وتهدئة الأوضاع وضمان حق الاقتراع، ومراكز اقتراع وفرز موثوقة، ومراجعة صادقة وتأكيد للنتائج المحتسبة، وضمانات الاستعداد الأمني والسلامة، وانتقال سلس للحكومة إلى الفائزين المنتخبين، وإنفاذ سيادة الشعب، وإدارة مرحلة ما بعد الانتخابات.
مؤشر التوافق السياسي للانتخابات
تُعد اتفاقية (R-ARCSS) التوافق السياسي الأعلى المتفق عليه في جنوب السودان، والمدعوم من الدول المجاورة والإقليم والمجتمع الدولي. وهذه الاتفاقية للسلام لا تتعلق فقط بتقاسم السلطة في الفصل الأول، بل تضم سبعة فصول أخرى وملاحق تحتوي على دروس مستفادة من التاريخ والمؤسسات والقيادة والديناميات الخارجية. وتنص R-ARCSS على ما يلي:
- توحيد قطاع الأمن والدفاع لحماية النظام الدستوري الديمقراطي والسلامة الإقليمية لجنوب السودان(الفصل الثاني)
- .إعطاء الأولوية لمسؤولية الحكومة عن المساعدات الإنسانية للمواطنين المتضررين، ولا سيما العائدين من مخيمات النازحين داخلياً واللاجئين (الفصل الثالث).
- تطوير اقتصاد متنوع من خلال الإدارة النزيهة للمالية العامة والإصلاحات المؤسسية لتعزيز التفويض الشامل للموارد (الفصل الرابع).
- تعزيز المساءلة من خلال المصالحة الصادقة، والمحاكم الهجينة العقابية، والتعويضات الجبرية، وإصلاح نظام العدالة مع محكمة دستورية مستقلة، وبرامج المصالحة الوطنية بمساعدة السلطات الدينية (الفصلان الأول والخامس).
- كتابة دستور اتحادي يركز على الإنسان لترسيخ العقد الاجتماعي مع تعداد سكاني واقعي مثبت ببيانات ديموغرافية دقيقة ومراجعة التشريعات القائمة لتوجيه المسؤوليات العامة وفقاً لذلك (الديباجة والفصلان الأول والسادس).
- الرصد والتحقق والتحليل والتقييم والإبلاغ المحايد بشأن حالة التقدم في تنفيذ الاتفاقية (R-ARCSS)، مع تقديم توصيات للإجراءات التصحيحية (الفصل السابع).
- الإجراءات السياسية والتشريعية لتعديل الاتفاقية المنشطة (R-ARCSS) عند الحاجة (الفصل الثامن).
قدمت الاتفاقية المنشطة (R-ARCSS) خارطة طريق وأجندة شاملة لوقف الحرب البشعة، واستعادة السلام المفقود، وإصلاح المؤسسات والأنظمة العامة الضعيفة، وبناء الدولة الجديدة التي مزقتها النزاعات، وإرساء الفيدرالية الدستورية.
وهذه المعالم إلزامية لإجراء انتخابات حرة وشفافة ومفتوحة وعادلة وحقيقية وذات مصداقية وشاملة وسلمية، لوضع حد لـR-ARCSS وبدء رحلة التطبيع الديمقراطي لجنوب السودان. ولهذا السبب، رتّب التوافق السياسي مهام الأطراف والحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية خلال الفترة الانتقالية بطريقة لا تضع الانتخابات على رأس قائمة أولويات تعافي البلاد من الصدمات المتكررة للحروب.
وتشير تقييمات الوضع الحالي والتقارير الموثوقة التي نشرتها لجنة الرصد والتقييم (R-JMEC)، وبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS)، ومراكز الفكر المستقلة، والمنظمات الدولية ذات الموثوقة، ومنظمات المجتمع المدني، والمراقبون المستقلون، إلى أن معظم مجالات التوافق السياسي ضمن إطار R-ARCSS لا تزال قيد التنفيذ، إن لم تكن متوقفة أو متعطلة عمداً. وقد تم تغيير صيغ تقاسم السلطة ونسب التمثيل في الفصل الأول من خلال استبدال واعتقال بعض الشركاء الرئيسيين في اتفاقية السلام بسبب سوء إدارة أجنحتهم العسكرية.
وقد أدى الخلط في تسلسل تنفيذ (R-ARCSS) إلى خلق معضلة خطيرة ينبغي حلها بحكمة لتجنب الارتباك والتعقيدات. إن اختيار إنهاء الفترة الانتقالية بصورة فوضوية من خلال المغامرة بانتخابات هزيلة لن يؤدي إلى نهايات جيدة ومرغوبة لجنوب السودان أو المنطقة أو العالم بأسره. كما أن استمرار الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية التي لا تنفذ مهمتها بصورة مرضية لن يغير الوضع بسبب الأخطاء المتناقضة مع سمو الاتفاقية المنشطة (R-ARCSS) كما أُدرجت في الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان.
وحتى إذا توصل الحوار بين الأحزاب الذي بدأ في جوبا الان إلى توافق سياسي بشأن المضي في إنهاء الفترة الانتقالية من خلال حل الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية في 22 سبتمبر 2026 وإرسال السياسيين إلى منازلهم للاستعداد للانتخابات العامة غير المستعدة في 22 ديسمبر 2026،برغم وجود ثغرات دستورية وقانونية خطيرة، فإن المعضلة لن تكون قد حُلّت. فاجرا انتخابات سيئة لن يغير الوضع المعقد الان في جنوب السودان. وفي الواقع، قد يقفز بعض السياسيين وأنصارهم إلى الجماعات الرافضة للاتفاقية لتكثيف الضغط ومن ثم العنف.
وقد يدفع هذا دول الجوار والتكتلات الإقليمية الأفريقية والمجتمع الدولي إلى التفكير في مهمة عسكرية سريعة وقصيرة الأجل لتحقيق الاستقرار، مقترنة بالبحث عن تسوية سياسية وإعادة إضفاء الشرعية على فترة انتقالية جديدة باستخدام الهندسة نفسها لفرض عملية السلام مع ضمان دمج الاتفاقية المنشطة (R-ARCSS) في الاتفاقية الجديدة.
ولا يمكن تقرير إنهاء التوافق السياسي للاتفاقية المنشطةـ(R-ARCSS ) من جانب واحد دون الالتزام بتسلسل ما ينبغي القيام به أولاً قبل الآخر. وإلا فإن المضي في انتخابات مثيرة للجدل بالمخالفة للقانون لن يكون مختلفاً عن انقلاب دستوري غير مدروس ضد سلطة الأطراف الموقعة على الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية.
وقد يدعو ذلك إلى فرض عقوبات خارجية ويثير اضطرابات داخلية، كما سبق،حسب ما أشارت إليها، تحذيرات مبكرة سابقة من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومجلس السلم والأمن الأفريقي، والحكومة الأمريكية، وغيرهم، في بياناتهم العامة ومحادثاتهم الخاصة.
وبدلاً من الاندفاع غير المحسوب نحو انتخابات مثيرة للمشاكل، فإن النصائح الصادقة الموصى بها من حَمَلة ملف جنوب السودان تركز على حوار سياسي شامل لإيجاد حل بديل، ينبغي أن يكون تقييمياً في منهجه، حتى يتم تجنب الانتكاسات أثناء تنفيذ المسار الجديد، وكان هذا الأمر قد اقترب من التحقق مع مبادرة )تومايني( في نيروبي، لولا أن الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية أوقفت المسار في فبراير 2025، والتي هدفت الي وقف استكمال البروتوكولات وتحويلها إلى اتفاق سلام مدمج كان من شأنه الحفاظ على مكاسب المنشطة (R-ARCSS) وسد الفجوة المفقودة في القيادة مع المساءلة غير القابلة للمساومة.
مؤشرات التوجيه القانوني للانتخابات
ينبغي أن تسترشد الانتخابات الصحيحة والآمنة، دون أي تنازل، بدستور يركز على الشعب وأطر تشريعية سارية، وسياسات اجرائية عادلة ولوائح محايدة، ومدونة إلزامية للسلوك الإداري والأخلاقي. ولهذا السبب، أوضحت الاتفاقية المنشطة (R-ARCSS) بشكل صريح وقاطع أن النصوص التالية يجب الالتزام بها قبل أن تقيم الانتخابات لانها الفترة الانتقالية:
- وإدراكاً أن النظام الاتحادي للحكم هو مطلب شعبي لشعب جمهورية جنوب السودان، والحاجة إلى أن تعكس الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية هذا المطلب من خلال تفويض المزيد من السلطات والموارد إلى المستويات الدنيا من الحكومة في الاتفاقية المنشطة ( الديباجة).
- تجدد الأطراف التزامها باتفاقية المنشطة (ARCSS) بأن يتم سن نظام حكم اتحادي وديمقراطي يعكس طبيعة جمهورية جنوب السودان ويضمن الوحدة في ظل التنوع، خلال عملية وضع الدستور الدائم. (R-ARCSS المادة 1.4.11).
- خلال شهرين (2) من اعتماد الدستور الدائم، يجب تعديل قانون الانتخابات الوطني لعام 2012 ليتوافق مع أحكام الدستور الدائم. (R-ARCSS المادة 1.20.5).
إن الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان لعام 2011 بصيغته المعدلة في 2020؛ وقانون الأحزاب السياسية لعام 2012 بصيغته المعدلة في 2022؛ وقانون الانتخابات الوطني لعام 2012 بصيغته المعدلة في 2023؛ وقانون الحكم المحلي الحالي لعام 2009؛ والقوانين المعدلة للشرطة والسجون والأمن وقوات الدفاع؛ وغيرها من التشريعات الفرعية ذات الصلة، كلها غير مكتملة في شكلها ومضمونها الحاليين بحيث لا يمكن الاستناد إليها بصورة صحيحة للانتخابات إلى أن يتم مواءمتها مع R-ARCSS ومع الدستور الاتحادي الدائم المنتظر لجمهورية جنوب السودان (FCRSS)، على التوالي.
– يتم إدماج هذه الاتفاقية المنشطة بالكامل في الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان لعام 2011 (TCRSS بصيغته المعدلة). وبغض النظر عن عملية الإدماج هذه، ففي حال تعارض أحكام الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان لعام 2011 (بصيغته المعدلة) مع أحكام هذه الاتفاقية، تسود أحكام هذه الاتفاقية R-ARCSS، المادة 8.2].
– تكون لهذه الاتفاقية المنشطة الأولوية على أي تشريع وطني، أو أي اتفاق قائم يتعارض معها، وفي حال تعارض أحكام أي تشريع وطني أو اتفاق سابق مع أحكام هذه الاتفاقية، تسود أحكام هذه الاتفاقية.» (R-ARCSS، المادة 8.3).
كما أن الفصل الخامس من قانون الانتخابات الوطني الحالي لعام 2012، بصيغته المعدلة في 2023، يتعارض مع روح ونص الاتفاقية المنشطة (R-ARCSS). وهذا يجعل آليات اللامركزية المذكورة فيه بالاضافة الحاجة لتطبيقها على انتخابات الحكم المحلي، التي يُفترض أن تُجرى على أساس النظام الاتحادي مع تفويض المزيد من السلطات والموارد.
إن الإعلان الذي صدر في جوبا في 22 يونيو 2026 عن رئيس المفوضية القومية للانتخابات (NEC)، بأن الانتخابات العامة ستبدأ في 22 ديسمبر 2026، هو إعلان سابق لأوانه وقابل للإبطال بقدر ما لم يتم المساس بسمو اتفاقية حل النزاع (R-ARCSS). وربما لم يدرك أن التوجيه الدستوري والقانوني لتنظيم الانتخابات العامة في جنوب السودان لم يصدر بعد، لأن المنشطة (R-ARCSS) اشترطت أن يكون الدستور الاتحادي الدائم (FCRSS) وحده هو الذي يوجه الانتخابات، بما في ذلك تحديد النوع والهيكل والمستويات والولاية والسلطات والمسؤوليات والمهام والمدد الزمنية للحكومة المنتخبة المنتظرة.
كما أن الأحكام القانونية التالية ليست مفيدة حالياً للاستناد إليها في الانتخابات إلى أن يتم إجراء التعديل الثاني لقانون الانتخابات الوطني وفقاً لـR-ARCSS والدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان:
– قبل ستين (60) يوماً من انتهاء الفترة الانتقالية، تنظم المفوضية القومية للانتخابات الانتخابات وفقاً لأحكام الدستور الدائم المعتمد بموجب هذه الاتفاقية، وتضمن أن تعكس النتيجة بصورة واسعة إرادة الناخبين.( R-ARCSS، المادة 1.20.5).
– عندما يتعين إجراء انتخابات، تحدد المفوضية وتعلن تاريخها وفقاً للدستور، وتنشر في الجريدة الرسمية أو صحيفتين ذواتي انتشار على مستوى البلاد، وعلى الموقع الإلكتروني للمفوضية ووسائل الإعلام، إشعاراً بإجراء الانتخابات قبل موعدها بستة أشهر على الأقل.(قانون الانتخابات الوطني، المادة 16(1).
– إن استخدام الدوائر الانتخابية الجغرافية القديمة لعام 2010، عندما كان جنوب السودان لا يزال جزءاً من جمهورية السودان، يشكل خللاً قانونياً. وقد تكون المواقع الجغرافية والإحداثيات لجنوب السودان قد بقيت كما هي لأكثر من عقد حتى الآن، رغم تأثر بعض المناطق بصورة خطيرة بالفيضانات والجفاف. ولا يمكن تجاهل التغيرات بهذا الحجم، إضافة إلى حالة النزوح والهجرة الجماعية للمواطنين التي حدثت.
وهذا يعني أن عدد الناخبين المقيمين المؤهلين كما كانوا في تعداد عام 2008، وسجل الناخبين كما كان في عام 2009، لم يعودا ذوي صلة أو فائدة. فقد مات كثير من الناس، بينما وُلد آخرون وبلغوا سن التصويت، وهو 18 عاماً، ولهذا السبب هناك حاجة إلى تعداد جديد لتوفير الدقة بشأن عدد السكان الحقيقيين في كل دائرة انتخابية جديدة، حتى تتمكن المفوضية من إحصاء المؤهلين للتسجيل كناخبين فيها للانتخابات. وهذا سيجعل أيضاً تدقيق السجل الانتخابي ممكناً قبل نشره النهائي في الجريدة الرسمية أو الصحف أو موقع المفوضية.
– ينشر سجل الناخبين خلال ستة (6) أشهر قبل إجراء الانتخابات. (R-ARCSSالمادة 1.20.10).
- يجوز للمفوضية، قبل ستة أشهر على الأقل من الانتخابات العامة، إجراء تدقيق لسجل الناخبين باستخدام سجل الناخبين لغرض ،اولا: التحقق من دقة سجل الناخبين؛وثانيا التوصية بآليات لتعزيز دقة السجل. ( قانون الانتخابات الوطني، المادة 37A).
- تحسب المفوضية الحصة الوطنية بقسمة إجمالي عدد سكان جنوب السودان على الرقم الذي يمثل خمسين في المائة (50%) من أعضاء الجمعية الوطنية الذين سيتم انتخابهم من خلال الدوائر الجغرافية. قانون الانتخابات الوطني، المادة 40(1)].
ومن التقارير الرسمية والواقع الحالي، لم تظهر حتى الآن أي علامة على قرب تسجيل الناخبين، بحيث يتم توفير سجل ناخبين قابل للتدقيق للتحقق منه من قبل شعب جنوب السودان والمراقبين الخارجيين. كما أن عدد سكان جنوب السودان غير معروف بدقة، إذ لم يُجرَ أي تعداد سكاني للجمهورية الجديدة حتى الآن.
إن إجراء انتخابات دون معرفة عدد السكان، والاعتماد بدلاً من ذلك على بيانات وتقارير ديموغرافية قديمة تعود إلى ثمانية عشر (18) عاماً في دولة أخرى تُدعى السودان، هو تجربة سياسية غريبة لم تُجرَّب في أي مكان.
وقد أدى ذلك بالفعل إلى تحذير مبكر من الخرطوم بشأن إدراج منطقة أبيي الإدارية الخاصة في انتخابات جنوب السودان قبل أن يتم تحديد الوضع السيادي النهائي لانتماء مشيخات نقوك التسع.
وبهذا ففي تقديرنا ستواجه الانتخابات المخالفة لروح ونص الاتفاقية المنشطة (R-ARCSS) حكم عدم الشرعية. وقد لا ترحب اللجنة المشتركة المعاد تشكيلها للرصد والتقييم (R-JMEC)، والهيئة الحكومية للتنمية (IGAD)، والاتحاد الأفريقي (AU)، والأمم المتحدة (UN)، والاتحاد الأوروبي (EU)، وغيرها من المنظمات والدول القائمة على سيادة القانون، بنتائج مثل هذه الانتخابات. وسيكون ذلك انتكاسة غير سارة للفائزين المعلنين، وإن كان مفرحاً بصورة ساحقة للخاسرين والمعارضة الرافضة.
لذلك فان القرار الذي اتخذته الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية بفصل وضع الدستور الدائم والتعداد السكاني الوطني عن الانتخابات يتعارض بوضوح مع (R-ARCSS)، ولذلك فإن التعديل الذي أقرته الهيئة التشريعية الوطنية الانتقالية المعاد تشكيلها (R-NTL) باطلة. فالمجلس الوطني الانتقالي للاتفاقية المنشطة لا يُسمح له إلا بالتصديق على ما تم الاتفاق عليه لتعديله من قبل الأطراف الموقعة على اتفاق سلام المنشطة ( R-ARCSS)، ووافق عليه (R-JMEC) بعد التحقق منه من قبل مجلس الوزراء من خلال توافق جماعي أو تصويت بأغلبية الثلثين،لذلك فان تعديل أي مادة من( R-ARCSS )ليس من اختصاص البرلمان الانتقالي الحالي.
– يجوز للأطراف تعديل هذه الاتفاقية المنشطة، بموافقة ما لا يقل عن ثلثي أعضاء مجلس وزراء الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية، وما لا يقل عن ثلثي الأعضاء المصوتين في اللجنة المشتركة المعاد تشكيلها للرصد والتقييم، يلي ذلك التصديق من قبل الهيئة التشريعية الوطنية الانتقالية، وفقاً لإجراءات التعديل الدستوري المنصوص عليها في الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان لعام 2011 ( بصيغته المعدلة). (R-ARCSS، المادة 8.4).
لذلك، من الحكمة تقديم المشورة بضرورة استكمال الاستعدادات للانتخابات من جميع الجوانب، لتهيئة بيئة مواتية وتبديد المخاوف من فقدان الشرعية اللازمة لإدارة الحكومة. ولْيكن الدستور الاتحادي الدائم قائماً أولاً لتحقيق الاستقرار في قلب بناء الدولة القومية لجنوب السودان، يليه إصدار دساتير محددة للولايات أو الأقاليم الاتحادية المكوِّنة على المستويات دون الوطنية للحكومة. وهذا سيبدد الارتباك وحالات عدم اليقين، ويرسل أقوى إشارة إلى أن الجمهورية الجديدة تنطلق أخيراً كديمقراطية قوية قائمة على سيادة القانون، مع أمل كبير في ازدهار شعبها على أرض غنية ومباركة.
مؤشر القدرة الإدارية للانتخابات
يتم تقييم القدرة والكفاءة في إدارة الانتخابات من خلال الركائز الرئيسية التالية:
التخطيط: وضع أهداف واضحة، والتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية، وإعداد الميزانية، وبناء خطوات قابلة للتنفيذ لجعل الانتخابات حقيقة تتجاوز مجرد الطموح.
التنظيم: توزيع الأدوار، وترتيب سير العمل، وتخصيص الموارد أو المعدات للانتخابات.
القيادة: توضيح الطريق إلى الأمام، وتحفيز أعضاء الفريق على تقديم أفضل أداء ضمن الوقت المخطط له، وبناء ثقافة النزاهة في تقديم انتخابات جيدة.
الرقابة: متابعة التقدم، والحد من المخاطر، وسد الفجوات، وتسجيل الدروس المستفادة من بداية الدورة حتى نهايتها.
وهذه الأساسيات الإدارية مطلوبة بصورة أكبر لإدارة الانتخابات العامة المعقدة، التي تتضمن صناديق اقتراع متعددة لانتخاب رئيس الجمهورية، وأعضاء الجمعية التشريعية الوطنية، وأعضاء مجلس الولايات، وحكام الولايات، وأعضاء مجالس الولايات، ورؤساء المناطق الإدارية، وأعضاء مجالس المناطق الإدارية، ومفوضي المقاطعات، وأعضاء مجالس المقاطعات، ورؤساء المدن والبلديات، وأعضاء مجالس المدن والبلديات، وأعضاء المجالس الحضرية والريفية. وليس هذا فحسب، بل إن الارتباك بشأن نسب القوائم الحزبية وقائمة النساء في أنماط التصويت يتطلب قدراً كبيراً من التوعية والتثقيف المدني لكل من الناخبين والأحزاب السياسية المتنافسة.
من السهل إعلان موعد الانتخابات العامة، لكن من الصعب إدارة وتنظيم العمليات والمخرجات والنتائج المطلوبة بطريقة حقيقية، دون قيادة مستقلة وكفاءة إدارية وقدرة تشغيلية. وتتطلب الانتخابات العامة قدرة كبيرة للتعامل استراتيجياً وتكتيكياً مع كل مرحلة ــ ما قبل الانتخابات، والانتخابات، وما بعد الانتخابات ــ بدرجة عالية من المصداقية والانفتاح والشفافية والحياد والمهنية والمساءلة (قانون الانتخابات الوطني، المادتان 6 ,7 ) ولهذا السبب، تم الاتفاق على الأحكام أدناه من قبل الأطراف، وكُلّفت الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية بتنفيذها دون إخفاق:
إعادة تشكيل مفوضية قومية للانتخابات كفؤة ومستقلة لإجراء انتخابات حرة وعادلة وذات مصداقية قبل نهاية الفترة الانتقالية، وضمان أن تعكس النتيجة إرادة الناخبين. (R-ARCSS، المادة 1.2.13).- على الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية أن تعالج بصورة عاجلة تحديات إعادة الإعمار، والإعادة إلى الوطن، وإعادة التوطين، وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج للنازحين داخلياً والعائدين، باعتبارها عوامل حاسمة تؤثر في بناء السلام والانتخابات.R -ARCSS ، المادة 1.20.7.
- إجراء تعداد وطني للسكان والمساكن قبل نهاية الفترة الانتقالية. (R-ARCSS، المادة 1.2.14).
- تفويض المزيد من السلطات والموارد إلى مستويات الولايات والحكم المحلي. (R-ARCSS، المادة 1.2.15).
إن الاستقلال المؤسسي، والكفاءة المهنية، والقدرة الفنية، والتمويل السيادي الكافي، والسلوك الأخلاقي، والمساءلة غير القابلة للتنازل عنها، هي الحد الأدنى من المعايير المطلوبة لكي تدير المفوضية القومية للانتخابات، الانتخابات العامة بنجاح. وعند مقارنة هذه القيم بوضع وتركيبة المفوضية القومية للانتخابات الحالية، يمكن اكتشاف وجود العديد من الفجوات والمشكلات. ولم تُتبع الإجراءات القانونية المنصوص عليها في قانون الانتخابات الوطني بدقة، أو ربما تم تجاوزها عمداً، عند تعيين رئيس المفوضية ونائب الرئيس، والرئيس التنفيذي للانتخابات، وستة (6) مفوضين.
وقبل تعيينهم، كان ينبغي لرئيس الجمهورية، ونائب الرئيس الأول، ونواب الرئيس الأربعة أن يتشاوروا ويتفقوا على تشكيل لجنة اختيار تضم مرشحين من الأطراف الموقعة على الاتفاقية المنشطة ( R-ARCSS )وأصحاب المصلحة. وتعلن هذه اللجنة عن الوظائف وتدعو المتقدمين لتقديم سيرهم الذاتية وإثبات مؤهلاتهم. ثم تقوم بوضع قائمة مختصرة بالمرشحين المناسبين، وتجري مقابلات معهم، وبعد ذلك تقدم قائمة الفائزين إلى الرئيس ليحيلهم إلى الجمعية التشريعية الانتقالية الوطنية (TNLA) للتدقيق والموافقة قبل تعيينهم بمرسوم جمهوري وأداء القسم.
وتتمثل معايير الموافقة في النزاهة والكفاءة والاستقلالية وعدم الحزبية والحياد، إضافة إلى خبرة عمل لا تقل عن عشر (10) سنوات في المناصب الإدارية أو الإدارية العليا. وتنص النصوص القانونية على ما يلي:
- تتألف المفوضية من تسعة أعضاء يعينهم الرئيس وفقاً للمادة 197A من الدستور، بعد تأكيد ذلك بتصويت لا يقل عن ثلثي أعضاء الجمعية التشريعية الوطنية الانتقالية.(قانون الانتخابات الوطني، المادة 11(1)].
- تكون مدة عضوية أعضاء المفوضية ست سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة بناءً على أداء مرضٍ من قبل الرئيس وبموافقة ثلثي أعضاء الجمعية التشريعية الانتقالية، شريطة استمرار استيفاء شروط الأهلية المنصوص عليها في هذه المادة.(قانون الانتخابات الوطني، المادة 11(4).
وينطبق الإجراء القانوني نفسه على مناصب رئيس ونائب رئيس وسبعة (7) أعضاء غير متفرغين في مجلس الأحزاب السياسية (PPC). وينص النص القانوني على ما يلي:
- تتم الموافقة على رئيس المجلس ونائب الرئيس وأعضاء المجلس بقرار يُعتمد بأغلبية ثلثي أعضاء الجمعية التشريعية الوطنية الانتقالية، وبعد الموافقة يتم تعيينهم من قبل الرئيس.(قانون الأحزاب السياسية، المادة 13(6)].
إن تجاوز الإجراءات الخاصة بتعيين قيادات هيئات المفوضية القومية للانتخابات ومجلس الأحزاب السياسية يشكل مسألة قانونية خطيرة ينبغي تصحيحها بالعودة إلى ما نص عليه القانون بشأن الأمن الوظيفي، والمؤهلات، والكفاءة، والنزاهة، والحياد، والاستقلالية، وعدم الانتماء الحزبي. وإلا، فإذا استمروا في العمل خارج القانون، فإن كل ما يقولونه أو يفعلونه سيُعتبر غير قانوني، لأنهم غير مخولين بعد بتنظيم الانتخابات.
وكما سارعت المفوضية القومية للانتخابات إلى إعلان موعد الانتخابات العامة، ارتكب مجلس الأحزاب السياسية أيضاً خطأً إدارياً إضافياً من خلال الضغط لتسجيل تسعة وثلاثين (39) حزباً سياسياً، مع تحديد 30 يونيو 2026 موعداً نهائياً للسماح لها بالمشاركة في الانتخابات العامة في 22 ديسمبر 2026. وقد استند مجلس الأحزاب السياسية إلى النص القانوني التالي:
- لا يجوز لأي جمعية من الأشخاص أو منظمة أن تعمل أو تؤدي وظائفها كحزب سياسي ما لم يتم تسجيلها وفقاً لأحكام هذا القانون.( قانون الأحزاب السياسية، المادة 7(1).
ويشير الواقع على الأرض إلى أن هذه الأحزاب السياسية سُجلت دون التحقق الصارم من المعايير القانونية المنصوص عليها في المادة 7(3)(a)(d) من قانون الأحزاب السياسية. ولم يسافر مسؤولو مجلس الأحزاب السياسية إلى الولايات والمناطق الإدارية للتحقق من وجود ما لا يقل عن خمسمائة (500) ناخب مؤهل من ثلثي هذه المواقع الجغرافية، ممن وقعوا على عضوية الأحزاب السياسية المعنية قبل تسجيلها بصورة كاملة. وفي الواقع، لا يُعرف حتى الآن أي ناخبين مؤهلين في جنوب السودان، لأن المفوضية القومية للانتخابات لم تُجرِ تسجيل الناخبين أو تصدر بطاقات الناخبين. كما لم يكلف مجلس الأحزاب السياسية نفسه عناء التحقق مما إذا كانت نسبة 35% من النساء مضمونة في قيادات الأحزاب السياسية المسجلة.
إن ترسيم الدوائر الانتخابية مهمة ضخمة للمفوضية القومية للانتخابات، وينبغي أن يسترشد بالدستور الاتحادي، ودساتير الولايات أو الأقاليم الاتحادية، وقوانين الحكم المحلي. كما أن تسجيل الناخبين، وتدقيق سجل الناخبين، وترشيح الأحزاب والمرشحين المستقلين المؤهلين، إلى جانب متطلبات الإسناد، وفحص الترشيحات، وتسوية النزاعات والأوامر القضائية، والانسحابات واستبدال المرشحين المستبعدين أو المتوفين، ونشر القائمة النهائية، والتعاون مع المراقبين والوكلاء، والسيطرة على وسائل الإعلام وقنوات المعلومات، والالتزام باللوائح الانتخابية وإدماج النساء، وإدارة الموارد الانتخابية، كلها مهام شاقة للمفوضية القومية للانتخابات ومجلس الأحزاب السياسية.
وتتطلب هذه الإدارة الانتخابية الضخمة قوة عاملة كبيرة، مع إجراء التوظيف أو الإعارة وفقاً لقوانين ولوائح الخدمة العامة الشاقة، بدءاً من الأمين العام وموظفي المفوضية القومية للانتخابات على المستوى الوطني، وانتقالاً إلى المستويات الأدنى مع لجنة عليا مكونة من خمسة أعضاء ومسؤولي العودة على المستوى دون الوطني، إلى جانب مساعديهم وموظفي الدعم.
وتنطوي الانتخابات العامة على عمليات شراء شاقة ومكلفة جداً للمواد الانتخابية، ولوجستيات مكثفة لنقلها من خارج البلاد وإلى الوجهات الداخلية المحددة في المناطق النائية ذات التضاريس والمعوقات الطبيعية الصعبة، ورحلات متكررة إلى الدوائر الانتخابية، بدءاً من وقت تسجيل الناخبين وتدقيق السجلات وحتى نقل نتائج الاقتراع. كما احتج قادة الكنائس على إجراء الانتخابات خلال احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة.
وتشكل التحديات الواسعة المتمثلة في ضعف البنية التحتية للنقل، ومحدودية الوصول إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية وضعف الشبكات، وانتشار الأسلحة في أيدي المجتمعات القبلية والقوات المتفلتة التي غادرت قواعد سيطرتها، والسكان الذين يعانون من صدمات الحرب ولم يتعافوا بعد من أهوال وذكريات الخسائر الماضية والحالية، كلها صعوبات فريدة تتعلق بالواقع الحالي لجنوب السودان عندما يتعلق الأمر بالانتخابات.
وعلاوة على ذلك، توجد مخاوف بشأن الشفافية والمساءلة والنزاهة في التعامل مع تمويل الانتخابات، الذي يُفترض أن يُنفق جزء كبير منه على مشتريات ضخمة ومكلفة خارج البلاد، وعلى لوجستيات النقل إلى المناطق الريفية ذات البنية التحتية الضعيفة أو المعدومة، ولا سيما الطرق والشبكات الخطرة. وقد رفع رئيس مجلس الأحزاب السياسية راية حمراء بشأن غياب الشفافية والتعاون من جانب المفوضية القومية للانتخابات.
وقد أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالفعل القرار 2820 (2026)، الذي عدّل ولاية بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS) من خلال إزالة الدعم المحدد للانتخابات إذا لم يتم استيفاء المتطلبات المسبقة لاتفاقية (R-ARCSS) أولاً.
كما أعلنت الترويكا (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج)، والاتحاد الأوروبي، وأعضاء آخرون في المجتمع الدولي الديمقراطي القائم على سيادة القانون، مواقفهم وتحذيراتهم من الخطوة الخاطئة التي تقوم بها الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) والأحزاب التابعة لها للمغامرة بانتخابات عامة غير مستعدة بما يكفي، والتي ستؤدي بصورة قسرية إلى إنهاء الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية والالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية المنشطة( R-ARCSS.
وخلال القمة العادية التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا في فبراير 2026، أصدر الاتحاد الأفريقي، من خلال اللجنة المخصصة رفيعة المستوى لجنوب السودان (C5 Plus)، التي يمثلها رؤساء دول وحكومات من خمس مناطق فرعية ــ جنوب أفريقيا، رواندا، نيجيريا، تشاد والجزائر ــ إعلاناً مشتركاً أكد فيه التضامن مع الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية وهي تواصل اتباع مسار تنفيذ الاتفاقية المنشطة R-ARCSS. وقد بادروا إلى حوار وطني شامل بوساطة أفريقية رفيعة المستوى، والمصالحة والتعافي لجنوب السودان قبل الشروع في الانتخابات.
وأُعرب عن التزام مماثل من قبل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في البيان الذي صدر في 26 أغسطس 2026 في أعقاب جلسته رقم 1364 في أديس أبابا. وسيعقد المجلس مرة أخرى جلسة في أكتوبر 2026 بشأن الاستعدادات الانتخابية، استناداً إلى تقارير مفصلة من مفوضية الاتحاد الأفريقي، والممثل السامي للاتحاد الأفريقي للقرن الأفريقي والبحر الأحمر، ولجنة C5 Plus التابعة للاتحاد الأفريقي، وبعثة تقييم الانتخابات التابعة للاتحاد الأفريقي إلى جنوب السودان.
وبالمقارنة، كانت حكومة جنوب السودان آنذاك محظوظة جداً في تلقي دعم خارجي هائل لنجاح الانتخابات العامة لعام 2010 في ظل سمو اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 (CPA). وهذه الميزة النادرة غير متاحة الآن للانتخابات المعلنة في ديسمبر 2026، في حين أن الاعتماد على الذات ليس قابلاً للتطبيق في ظل ضعف وشلل المؤسسات التي ظل البلد يعاني منها، وهي حالة تفاقمت بسبب العقوبات والضغوط والعزلة.
مؤشر الضمان الأمني للانتخابات
كان هناك سبب قوي جعل R-ARCSS تنص على أن الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية والانتخابات يجب أن تؤمَّنا بشكل مشترك من قبل قوات موحدة ومدربة جيداً ووطنية، تعمل تحت قيادة واحدة. وتنص النصوص القانونية المتعلقة بهذا الشرط الحاسم على ما يلي:
- بغض النظر عن أي اتفاق ينص على خلاف ذلك، تبدأ الفترة الانتقالية البالغة (36) ستة وثلاثين شهراً عند إتمام إعادة انتشار القوات الموحدة الضرورية، أو عند انقضاء ثمانية (8) أشهر، أيهما يحدث أولاً. (R-ARCSS، المادة 2.3.1).
- طوال الفترة الانتقالية، يستمر تدريب الأفراد المختارين للخدمة العسكرية والشرطة والأمن والخدمات الأخرى. ويستمر برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) للأفراد غير المؤهلين.» (R-ARCSS، المادة 2.3.2).
- خلال الفترة الانتقالية، يتم التخلص من جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والذخائر التي تم جمعها، وفقاً لما يحدده مجلس الدفاع المشترك (JDB).(R-ARCSS، المادة 2.3.3).
- يجب استكمال بناء الجيش الوطني والشرطة وجهاز الأمن الوطني والقوات النظامية الأخرى قبل نهاية الفترة الانتقالية. (R-ARCSS، المادة 2.3.4).
- بحلول نهاية الفترة الانتقالية، يجب إعادة انتشار الجيش الوطني والقوات النظامية الأخرى في جميع أنحاء جمهورية جنوب السودان، وفقاً للخطة التي وضعها مجلس مراجعة الدفاع والأمن الاستراتيجي (SDSRB). (R-ARCSS، المادة 2.3.5).
ولسوء الحظ، لم تؤتِ الترتيبات والهندسة الأمنية المتفق عليها من قبل الأطراف في الفصل الثاني من R-ARCSS ثمارها، بدءاً من الفترة السابقة للمرحلة الانتقالية التي سبقت تشكيل الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية في فبراير 2020، واستمراراً حتى نهاية الفترة الانتقالية إذا أُجريت الانتخابات. وهذا الإخفاق يطارد نزاهة وثقة تشكيل العمليات المشتركة لتأمين المقار الانتخابية والبنية التحتية والمواد والمعلومات والنقل واللوجستيات والمسؤولين والفنيين والمراقبين والوكلاء وترسيم الحدود والتثقيف المدني وتثقيف الناخبين وتسجيل الناخبين وتسجيل الأحزاب وترشيح المرشحين وفترة الحملات وعمليات الاقتراع والفرز والعد وتسوية النزاعات والإعلان الرسمي عن النتائج. ويتفاقم الوضع بسبب الشباب المسلحين المنفلتين والميليشيات القبلية الفوضوية المنتشرة في الريف والتي تعمل جميعها كخارجين عن القانون.
إن وجود أمن مهني ومحايد وغير حزبي أمر بالغ الضرورة الآن في جنوب السودان، لأن الانتخابات عادة ما تزيد من حدة التوترات بين المتنافسين وأنصارهم. ولهذا السبب، تؤدي التهديدات الأمنية عادة إلى إلغاء الانتخابات أو تأجيلها بعد تكبد نفقات ضخمة. وخلال عمليات التسجيل والحملات والاقتراع والعد، قد تدخل أحكام قانونية خاصة حيز التنفيذ تنشئ )منطقة حظر للأسلحة( حول هذه المواقع. والأشخاص المسموح لهم قانوناً بحمل الأسلحة داخل هذه المناطق هم أفراد الأمن المصرح لهم.
وقد يطلب مسؤولو الانتخابات والأمن من الأحزاب السياسية تسجيل تاريخ ووقت ومكان تجمعاتها الانتخابية حتى لا يحدث تعارض قد يؤدي إلى نزاع. ومع ذلك، إذا لم تتم معالجة مثل هذا الوضع بوضوح وسرعة في الاتصال، فقد يُنظر إليه على أنه تقييد لحرية تكوين الجمعيات والتجمع للمشاركة في الانتخابات.
وينبغي تطبيق قواعد الاشتباك (RoE) أو سياسة استخدام القوة(UoF) بصورة مناسبة على أنواع معينة من التهديدات، مع ضمان عدم استدراج أفراد الأمن إلى أفعال يمكن تسييسها لاحقاً أو تعقيد «فترة التهدئة». وينبغي أن تكون لديهم مدونة سلوك وفرقة تحقيق سريعة لردع السلوكيات الخاطئة والتعامل معها.
ولم تكن تقارير الوضع الأمني في جنوب السودان، كما عرضتها آلية مراقبة والتحقق من وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية الانتقالية (CTSAMVM)، مطمئنة لضمان سلامة الانتخابات بصورة شاملة. ولم تُحترم اتفاقية وقف إطلاق النار الدائم، كما وُقعت في إعلان الخرطوم في 27 يونيو 2018، بصورة دقيقة بما يسمح باستكمال الترتيبات الأمنية الانتقالية، والعودة الطوعية إلى الوطن، وإعادة التوطين، وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج للعائدين من مخيمات اللاجئين في البلدان المجاورة والنازحين داخلياً. ولا تزال جماعات مسلحة غير جنوب سودانية تعمل بحرية داخل جنوب السودان. ويثير وجودها مخاوف بشأن السلامة الإقليمية لأمن الانتخابات في بيئة سياسية متقلبة يسودها غياب التوافق واستبعاد السياسيين ذوي الثقل.
وقد أثارت تقارير موثوقة أخرى على الأرض تحذيرات من تزايد العنف إذا تم التعجيل بالانتخابات في ظل الظروف الراهنة، حيث لا تزال الاستعدادات الرئيسية غير مكتملة، كما أن الحيز المدني مقيد بما يسمح للناخبين والأحزاب السياسية والمرشحين المستقلين والمراقبين والوكلاء والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني بالمشاركة دون خوف أو ترهيب. كما أُعلنت بعض المقاطعات على المستويات دون الوطنية مناطق معادية للحكومة، التي أُسند إليها تنظيم العملية الانتخابية وتأمينها ونتائجها.
ولهذا فإن استكمال تنفيذ فصل الترتيبات الأمنية في R-ARCSS يظل أمراً بالغ الأهمية، لأنه سيولد الثقة من خلال المهنية والحياد وعدم الحزبية والشفافية والفعالية والكفاءة والمساءلة والمصداقية التي تأتي مع القوات الموحدة التقليدية في جميع قطاعات الأجهزة الأمنية.
ومن الملحوظ أن أحد الشروط التي تجعل بعض السياسيين البارزين يشعرون بعدم الأمان تجاه التنفيذ الكامل لـR-ARCSS قبل الانتخابات هو عدم أهليتهم للمشاركة في الحكومة في حال تمكنت المحكمة الهجينة لجنوب السودان (HCSS) من الوصول إليهم.
(لا يكون الأفراد الذين توجه إليهم المحكمة الهجينة لجنوب السودان اتهامات أو الذين تتم إدانتهم من قبلها مؤهلين للمشاركة في الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية أو في حكومتها أو حكوماتها اللاحقة، لمدة تحددها القوانين، أو إذا كانوا يشاركون بالفعل في الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية أو في حكومتها أو حكوماتها اللاحقة، فإنهم يفقدون مناصبهم في الحكومة. وإذا ثبتت براءة الأفراد الذين وُجهت إليهم اتهامات، يحق لهم الحصول على تعويض وفقاً لما يحدده القانون.(R-ARCSS، المادة 5.5.1).
الخاتمة والطريق إلى الأمام
ما دامت الأطراف في R-ARCSS غير مستعدة لتنفيذ انقلاب دستوري ضد اتفاقية السلام والحكومة الائتلافية الانتقالية، فإن النظام الدستوري القائم الذي فُرض في عام 2020 سيظل سارياً. وستكون هناك دائماً حكومة لإنفاذ القانون والنظام إلى أن يتم استبدالها بحكومة أخرى. ولن تكون هناك فراغات، ولن تكون البلاد محكوم عليها بالزوال أو الاختفاء، لأن شعبها معروف بقدرته على الصمود كمواطنين وبأمله، وبعزيمته المذهلة على مواصلة الحياة رغم التحديات.
ليس للاتفاقية المنشطة ـR-ARCSS تاريخ انتهاء محدد، باستثناء أن تنتهي من خلال انتخابات عامة ولا ينبغي ان تكون جزئية ،تُجرى تحت إشراف دستور اتحادي يركز على الشعب، باعتباره العقد الاجتماعي الأعلى. ولا يمكن أن يصبح تاريخ 22 فبراير 2027 تاريخ انتهاء لـR-ARCSS إلا إذا أُجريت انتخابات صحيحة وآمنة في 22 ديسمبر 2026. وهنا لن تكون هناك حاجة إلى السلطة الكاملة للحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية اعتباراً من 22 سبتمبر 2026. ولكن من دون يقين وتأكيد يتجاوز الشك المعقول بأن الانتخابات ستُجرى كما أُعلن، ستظل (R-ARCSS) سارية لتتجاوز أي خطوة خاطئة، وستواصل الحكومة الانتقالية المنشطة للوحدة الوطنية أداء واجباتها حتى يتم التوصل إلى ترتيب سياسي بديل تم الاتفاق عليه من خلال حوار شامل بوساطة إقليمية وبمشاركة الداعمين الخارجيين لجنوب السودان. إن استخدام الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان لعام 2011، بصيغته المعاد تعديلها في 2026، لغرض إجراء انتخابات 22 ديسمبر 2026، لن يبدد الوضع المثير للجدل الناتج عن التناقض مع R-ARCSS. إنها محاولة غير مجدية وسوء تقدير.
ولن تكون الانتخابات الأولى في جمهورية جنوب السودان ممكنة دون الدستور الاتحادي الدائم والتعداد الحقيقي للسكان.
إن ما هو عاجل الآن هو إجراء حوار شامل وصريح لبناء توافق وطني، والتثقيف القانوني والمدني لإنفاذ سيادة القانون، والإدارة الرشيدة للمالية العامة لتمكين تقديم الخدمات في الوقت المناسب، وتنمية البنية التحتية الشاملة والمتاحة، وتيسير الاقتصاد المتنوع من أجل سبل عيش المواطنين، ومراجعة الدبلوماسية، وإجراءات بناء السلام في الوقت المناسب للحفاظ على مكاسب R-ARCSS دون حصرها في سياسة تقاسم السلطة. كما يجب إسكات البنادق، ونبذ العنف القاتل، وترسيخ ثقافة السلام من خلال التعايش الودي، وتعزيز القيادة الجماعية، وتقوية المؤسسات.
إن تأجيل الانتخابات لا يشكل تهديداً وجودياً لجنوب السودان أو المنطقة أو العالم بأسره. ويمكن للانتخابات أن تنتظر قليلاً، وليس إلى الأبد، لأن السبب المحفز للحروب هو غياب دستور دائم يحظى بالاحترام ويركز على الشعب. وينبغي ألا يتم فصل قلب الجمهورية هذا أو دفعه إلى الأمام للمغامرة، بواسطة حكومة مجهولة في المستقبل لن تكون ملزمة بالالتزام بتنفيذ الجوانب المهمة من R-ARCSS المذكورة أعلاه.
لقد وُلدت جمهورية جنوب السودان لتكبر وتزحف وتتعلم المشي إلى جانب الدول القائمة على سيادة القانون، ومع دستور اتحادي عادل يضع أساساً ديمقراطياً راسخاً لبناء الدولة القومية الحقيقية. وهذا ما سيجذب الدعم والتعاون الإقليمي والدولي الملموس، على غرار حالة اتفاقية السلام الشامل والاستفتاء. فلنستمر دون انقطاع في الاستعداد لأول انتخابات عامة جيدة في جنوب السودان، حتى يصبح الاستعداد الانتخابي المطلوب كافياً وقابلاً للتطبيق لاعتماده. ورغم الحماس بشأن الانتخابات العامة المقبلة، ينبغي ضبط النفس حتى يتم تنفيذ الامر القيّم بصورة صحيحة وآمنة لمصلحة الشعب، بدلاً من تحقيق المصالح الأنانية لقلة من النخب السياسية المتلاعبة.
لقد أظهرت الدراسات المقارنة أدلة تستند إلى سوابق على أن الانتخابات السيئة تنعد خيار أسوأ من عدم إجراء الانتخابات. فالانتخابات الخاطئة ستدعو دائماً إلى مزيد من المشكلات والتعقيدات، وهي مخاطر قد يثبت أن السيطرة عليها والتخفيف من آثارها أمر صعب من الناحيتين الداخلية والخارجية. ولن تكون العدالة والإنصاف موجودين. ورغم أن المزحة الشاقة تقول إن «فقط الحمقى أو الآلهة يمكنهم التنبؤ بثقة بما قد يحدث في الشؤون الداخلية لجنوب السودان في أي لحظة»، فإن الواقع الملح يكشف أن ديسمبر 2026 قريب جداً، حتى بالنسبة إلى انتخابات مزورة مسبقاً. ولذلك، دعونا نركز بشدة على فعل ما هو صحيح بدلاً من إضاعة الوقت في البحث عن الصواب السياسي الذي سينتهي بالاشمئزاز. ضعوا الدستور الدائم أولاً، وأحصوا شعب جنوب السودان بدقة حتى يُعرف من هم المؤهلون للتصويت.
وكما تؤكد الأغاني المحلية بحكمتها المبسطة أن جنوب السودان لجميع أبناء جنوب السودان، وأنه لا مكان آخر سيهربون إليه، فليكن هناك شمول ومشاركة سعيدة من جميع أبناء الشعب في أنحاء البلاد، ولكن من أجل انتخابات عامة صحيحة فقط. لن تكون هناك انتخابات مثالية أبداً، ولكن هناك انتخابات سيئة غير مرغوب فيها لن تكون مقبولة، فضلاً عن أنها ستجلب عواقب مؤسفة كان من الممكن تجنبها لو تم تفادي هذه المغامرة الخطيرة.
تـــم..
الكاتب /جيمس أوكوك حاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة نيروبي (دفعة 2009). وهو مؤلف الكتاب الرائد بعنوان «سلام جنوب السودان وإنعاشه: التاريخية، والمؤسسات، والقيادة والديناميات الخارجية»، الذي نشرته دار CUEA Press عام 2019، بالإضافة إلى العديد من المقالات والتعليقات حول الحوكمة. بريده الإلكتروني هو: okukjimy@gmail.com.