
وكتب نضال بلال… لأجل منهج تكاملي الانتقادات التي توجه للمنهج التجريبي
واجومانيوز
بقلم: نضال بلال
المنهج التجريبي – كما هو معلوم اليوم – يعد من أهم المناهج العلمية للبحث تماسكًا في مقولاته وقواعد العمل عليه، بل هو الأصلح للتفكير العلمي والنقدي بحسب معظم الفكرين والفلاسفة، لكنه رغم ذلك، لم يسلم من الهجوم من قبل بعض التيارات الميتافيزيقية والمحافظة، وجميع هذه الاعتراضات مبعثها التشكيك في مقولاته، من حيث خصوصية التجارب والظروف التي تجرى فيها، وعدم حتمية تطابق نتائجها أو إمكانية تعميمها على ما هو أوسع حتى من العالم الذي نسكنه ” الأرض”، ومن أبرز الانتقادات التي وجهت إليه:
1.عدم صلاحيته لدراسة جميع الظواهر
ينجح المنهج التجريبي بدرجة عالية مع الظواهر الطبيعية القابلة للقياس والتكرار، لكنه يواجه صعوبات أكبر مع بعض الظواهر الإنسانية مثل الحب، والإيمان، والجمال، والوعي، والقيم الأخلاقية، إذ لا يمكن عزل هذه الظواهر وضبط جميع متغيراتها بسهولة.
غير أن صعوبة إخضاع الظاهرة الإنسانية للتجربة لا تعني استحالة دراستها علميًا، فجميع هذه العواطف والظواهر من مكونات الذات الإنسانية، وقد استطاع العلم دراسة جوانب كثيرة منها، والكشف عن بواعثها وآلياتها ودرجات تأثيرها في الإنسان، اعتمادًا على الملاحظة والتجربة والاستقراء، مستفيدًا من التطورات الكبيرة في أدوات الرصد والقياس والتحليل.
لقد أصبح العلم قادرًا على ملاحظة تفاصيل هذه الظواهر بدرجة أكبر كثيرًا مما كان عليه في بدايات القرن الماضي وما قبله.
2. تبسيط الواقع
تعتمد التجربة، في كثير من تطبيقاتها، على عزل متغير أو مجموعة من المتغيرات مع ضبط العوامل الأخرى، بينما الواقع غالبًا أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل فيه عوامل كثيرة لا يمكن التحكم بها بالكامل.
هذا الاعتراض لا يمثل عيبًا في المنهج التجريبي بقدر ما يكشف حدود تطبيقه منفردًا على الظواهر المركبة، فالعلوم لم تعد حقولًا مغلقة كل منها مستقل عن الآخر، بل التعاون بينها شرطاً ومصدرًا مهمًا من مصادر التقدم المعرفي وتتحقق من خلال هذا التعاون والتنسيق بين مختلف العلوم نتائج ما كان لعلم بمفرده أن يستطيع الوصول إليها.
ومن هنا لا يكون الاعتراض عللا تعقيد الواقع سببًا للتخلي عن التجربة، وإنما سببًا لتوسيع أدوات البحث والاستعانة بمناهج وعلوم أخرى بحسب مقتضيات طبيعة الظاهرة المدروسة.
3. الاعتماد على ما هو قابل للملاحظة
يرى بعض الفلاسفة أن المنهج التجريبي يهتم بما يمكن ملاحظته أو قياسه فقط، ويترك جانبًا من الظواهر التي لا يمكن ملاحظتها بصورة مباشرة.
إن العلم لا يشترط أن يكون موضوع البحث مرئيًا بصورة مباشرة، وإنما يشترط أن تكون الفرضيات المتعلقة به قابلة للدراسة من خلال الأدلة والآثار والنتائج التي يمكن اختبارها، وبذلك فإن كثيراً من الظواهر والكيانات التي يتعامل معها العلم قد لا تُرى مباشرة، ولكنها تُعرف من آثارها أو من النتائج التي تترتب عليها.
وهنا وجه الاختلاف بين المنهج العلمي، ومنهج التفكير الماورائي الذي يطرح تصورات ليست بالضرورة قابلة للاختبار التجريبي، نعم: لقد كان للتفكير الفلسفي والميتافيزيقي تاريخيًا أثر مهم في تطور الفكر الإنساني، لكن المعرفة العلمية الحديثة لم تعد تتقيد بهذه المنهجية من التفكير وحسب، كون التفكير العلمي والتجريبي يميز بين الفرضية التي يمكن إخضاعها للأدلة والاختبار، وبين الاعتقاد أو التصور الذاتي الذي لا توجد وسيلة تجريبية للتحقق منه.
4. مشكلة الاستقراء
لقد أبرز ديفيد هيوم هذه المشكلة، وهو نفسه من أبرز ممثلي التجريبية، المشكلة عنده تتعلق بالانتقال من الوقائع التي تمت ملاحظتها إلى توقع استمرار انتظامها في حالات لم نختبرها بعد.
فإذا لاحظنا ظاهرة تتكرر في الماضي والحاضر ضمن النوع نفسه من الظروف، فإن الاستقراء يسمح لنا بتعميم العلاقة التي تكشفها الملاحظات والتجارب مادامت ضمن تلك الشروط.
أما إذا تغيرت الظروف أو ظهرت متغيرات جديدة، فلا يكون من المشروع افتراض أن النتيجة السابقة ستتكرر بالطريقة نفسها، بل يصبح التغير في الشروط نفسه موضوعًا جديدًا للملاحظة والبحث.
وعليه، فالاستقراء العلمي لا يعني افتراض أن المستقبل سيكون نسخة من الماضي، وإنما يعني استخلاص انتظام من الظواهر التي تمت دراستها، وتطبيقه حيث تستمر الظاهرة ضمن الشروط التي ثبت فيها، أما المستقبل بما قد يحمله من تغير في الظروف والمتغيرات، فلا يمكن أن يكون موضوعًا ليقين تجريبي مسبق يتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة.
ومن هنا يمكن فهم مشكلة هيوم بوصفها سؤالًا عن التبرير الفلسفي لضمان استمرار انتظام الطبيعة، لا بوصفها إبطالًا لقيمة الاستقراء في بناء المعرفة العلمية، فالاستقراء يظل أداة أساسية لاكتشاف العلاقات والقوانين والتعميمات العلمية، مع بقاء نتائجه مرتبطة بنطاق الظاهرة وشروطها وإمكان مراجعتها مالم تظهر معطيات جديدة.
5. تأثير الملاحظ أو الباحث
في بعض العلوم، خاصة العلوم الإنسانية، قد تؤثر توقعات الباحث أو طريقة تصميم التجربة في النتائج، مما قد يقلل من حياد البحث، وقد دفع هذا الاحتمال العلم إلى تطوير وسائل منهجية للحد من أثر الباحث وتحيزاته، مثل الضبط التجريبي، والتوزيع العشوائي، والتعمية، والتكرار، والتحليل الإحصائي، ومراجعة النتائج من باحثين آخرين.
لقد ساهم التطور التقني والمعرفي في أدوات الرصد والقياس والتحكم مما قلل من أثر العامل البشري، إلى أدنى الحدود من الخطأ ووفقا لمسائل منهجية متعددة ودقيقة
6.القيود الأخلاقية
ليست كل التجارب ممكنة؛ فهناك تجارب لا يجوز إجراؤها على البشر أو الحيوانات لأسباب أخلاقية، مما يحد من تطبيق المنهج التجريبي في بعض المجالات.
لقد ساهم ومنذ عقود طويلة هذا الاعتراض في تقدم وتطوير وسائل بديلة، وذات أطر أخلاقية وتنظيمية تضبط إجراء التجارب على البشر والحيوانات، كما تطورت بفعله النماذج الحيوانية والمخبرية ووسائل المحاكاة وغيرها من الأدوات التي تساعد على دراسة الظواهر من دون تعريض الإنسان لمخاطر غير مقبولة.
هذه القيود لا تمثل ضعفًا في المنهج التجريبي نفسه، وإنما تحدد المجال الذي يمكن تطبيقه فيه والوسائل المقبولة للوصول إلى المعرفة.
7. قابلية النتائج للمراجعة
نتائج التجربة ليست حقائق نهائية غير قابلة للمراجعة، بل تبقى قابلة للتعديل أو الإبطال إذا ظهرت أدلة جديدة، وهذا ليس عيبًا في العلم، بل هو من خصائصه الأساسية، لأن المعرفة العلمية تتقدم من خلال الاختبار والتصحيح والمراجعة.
وإذا كانت النتائج العلمية قابلة للمراجعة، فإن ذلك لا يعني أنها مساوية للفرضيات غير المختبرة أو للتصورات الميتافيزيقية؛ فالقيمة المعرفية للنتيجة العلمية تقوم على الأدلة التي أنتجتها وعلى قابليتها للاختبار والمراجعة.
أما التصورات التي لا توفر وسيلة مستقلة لاختبارها، فإنها تنتمي إلى مجال مختلف من التفكير ولا يمكن معاملتها بالطريقة نفسها التي تعامل بها النتائج التجريبية.
إنه من الضرورة بمكان هنا القول: إن معظم الفلاسفة والعلماء اليوم لا يرفضون المنهج التجريبي، وإنما يرون أنه منهج ممتاز في مجاله، لكنه ليس الطريق الوحيد إلى المعرفة؛ فالرياضيات تعتمد البرهان العقلي، والتاريخ يعتمد تحليل الوثائق والشواهد، وفي الفلسفة يستخدم التحليل العقلي والنقدي، ولكل مجال منهجه الأنسب.
هذه المقولة: إن لكل مجال منهجه المناسب لا تعني أن المناهج معزولة عن بعضها، بل إن كثيرًا من البحوث المعاصرة لا يمكن إنجازها دون الاستعانة بمجالات أخرى ويسمى ذلك، بحسب السياق، تعدد المناهج أو الأساليب المختلطة.
فمثلًا:
إذا درست ظاهرة اجتماعية، فقد تستخدم المنهج التاريخي لمعرفة نشأتها.
ثم المنهج الوصفي لتحديد خصائصها الحالية.
ثم المنهج الإحصائي لتحليل البيانات.
وإذا أمكن، تستخدم المنهج التجريبي لاختبار أثر عامل معين.
هنا لا تتنافس المناهج، بل يكمل بعضها بعضًا، لأن كل منها يجيب عن نوع مختلف من الأسئلة، بل لكل مجال منهجه الأنسب، غير أن بعض الظواهر المعقدة تستلزم الجمع بين أكثر من منهج في إطار تكاملي، بحيث يكمل كل منهج جوانب القصور في المناهج الأخرى، ويؤدي ذلك إلى فهم أكثر شمولًا ودقة.
المنهج التكاملي ليس قالبًا ثابتًا، بل هو منهج منفتح على التعدد، يختار أدواته وفق طبيعة المشكلة البحثية ومتطلباتها؛ فعدد المناهج المستخدمة ونوعها يتحددان بحسب أسئلة البحث والبيانات المتاحة، لا بحسب قاعدة مسبقة تفرض استخدام عدد معين من المناهج.
تم