
انسحاب كندا من جنوب السودان: تخلي عن حليف في لحظة حرجة
واجومانيوز
تقرير/واجومانيوز-باطومي ايول.
في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الدفاعية الكندية، أعلنت أوتاوا في 17 يوليو/تموز 2026 عن إنهاء مشاركتها العسكرية في بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS)، وذلك بالتزامن مع تصاعد حدة العنف وانهيار وشيك في اتفاق السلام الهش الذي يرعى البلاد منذ استقلالها عام 2011 . ويأتي القرار، الذي يشمل أيضاً سحب القوات من الكونغو الديمقراطية وكوسوفو وقبرص، في وقت تواجه فيه جنوب السودان أزمة إنسانية هي الأسوأ منذ سنوات، وسط تحذيرات أممية من مخاطر مجاعة وشيكة تطال أكثر من نصف سكان البلاد البالغ عددهم نحو 8 ملايين نسمة .
انسحاب عسكري ودبلوماسي متزامن
لم يقتصر التراجع الكندي على الجانب العسكري، بل امتد ليشمل البعد الدبلوماسي، حيث أغلقت أوتاوا سفارتها في جوبا بشكل مفاجئ في الأسبوع الأول من أغسطس/آب، دون تقديم تفسير واضح للأسباب . وأكد نيكولاس كوغلان، السفير الكندي السابق لدى جنوب السودان، أن السفارة أنهت عقود جميع موظفيها المحليين، بما في ذلك موظفين خدموا لعقد من الزمن، في مؤشر على أن الإغلاق ليس مؤقتاً .
ووصف كوغلان هذا القرار بأنه يعزز “الشعور بالتخلي” في جنوب السودان، في وقت كانت كندا فيه داعماً تاريخياً للدولة الفتية . وتأتي هذه التحركات رغم إطلاق أوتاوا لاستراتيجيتها تجاه أفريقيا العام الماضي، والتي تعهدت بتعزيز الوجود الدبلوماسي في القارة .
جنوب السودان على حافة الانهيار
تكشف التطورات الميدانية في جنوب السودان عن واقع مأساوي يجعل توقيت الانسحاب الكندي مثيراً للجدل. فوفقاً لإحاطة قدمتها أنيتا كيكي غبيحو، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة UNMISS، أمام مجلس الأمن في 6 أغسطس/آب، فإن الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية تشهد تدهوراً مستمراً .
الانهيار السياسي
تشهد الساحة السياسية حالة من الجمود الخطير، حيث تتضائل الثقة بين الأطراف الموقعة على اتفاق السلام المنشط . ويبرز ملف محاكمة زعيم المعارضة رياك مشار، الذي تجاوزت جلسات محاكمته المائة يوم، كأحد أبرز عوامل التوتر، خاصة وأنه لا يزال رهن الاحتجاز منذ ما يقرب من عام . وأشارت غبيحو إلى أن غياب شخصيات معارضة رئيسية عن العمليات السياسية أثار مخاوف جدية بشأن شمولية العملية الانتقالية وبناء التوافق .
التدهور الأمني
يشهد الوضع الميداني تصعيداً خطيراً تمثل في اشتباكات عنيفة بين قوات الدفاع الشعبي الجنوب سوداني وقوات المعارضة المسلحة، خصوصاً في ولاية جونقلي، إضافة إلى موجة من العنف الطائفي في ولايتي واراب ولايكس . وفي حادثة مروعة في 9 أغسطس/آب، قُتل أكثر من 60 مدنياً في هجمات متزامنة على قريتين في شمال مقاطعة تونج في ولاية واراب، في واحدة من أعنف عمليات الهجوم على المدنيين هذا العام .
ووصف غراهام ميتلاند، القائم بأعمال رئيس بعثة UNMISS، العنف الطائفي بأنه يسبب “أضراراً هائلة لمجتمعات تعاني أصلاً من الهشاشة”، محذراً من خطر اندلاع موجات جديدة من هجمات الانتقام .
الكارثة الإنسانية
تتفاقم الأزمة الإنسانية يوماً بعد يوم، حيث نزح أكثر من 420 ألف شخص بسبب العنف في النصف الأول من العام وحده . ويواجه نحو 8 ملايين شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع تحذير من مجاعة وشيكة في أربع مقاطعات . وتضاف إلى ذلك أزمة وباء الكوليرا التي أودت بحياة أكثر من 1,700 شخص، بالإضافة إلى ضغط استضافة جنوب السودان لنحو 1.4 مليون لاجئ فروا من الصراع في السودان .
وفي مؤشر مقلق على تدهور الأوضاع، قُتل 36 عاملاً في المجال الإنساني في جنوب السودان منذ بداية العام، مما يعكس تصاعد خطورة العمل الإغاثي في بيئة يشوبها انعدام الأمن .
تداعيات الانسحاب على بعثة الأمم المتحدة
أثار قرار مجلس الأمن بتقليص ميزانية وعدد قوات بعثة UNMISS قلقاً كبيراً، حيث حذرت الصين، إحدى الدول المساهمة الرئيسية بالقوات في البعثة، من أن “تخفيضات ميزانية البعثة وبصمتها التشغيلية أثرت بشكل خطير على العمليات الإنسانية والبيئة الأمنية” . وأعربت بكين عن أسفها للقرار، معتبرة أن دعم البعثة في أداء ولايتها يظل “ضماناً مهماً” للاستقرار في البلاد .
وقد اعترفت غبيحو بأن البعثة تواجه “تحديات متزايدة” في تنفيذ ولايتها، بما في ذلك تأثير الأزمة المالية التي طالت الأمم المتحدة والتي استدعت “تخفيضاً كبيراً في عدد حفظة السلام وإغلاق قواعد” .
أولويات كندا الجديدة
تبرر وزارة الدفاع الكندية قرار إعادة التموضع بأنه يهدف إلى “مواءمة موارد القوات المسلحة الكندية بشكل أفضل مع أولويات الدفاع الحالية” في عالم يشهد تصاعداً في التهديدات . وتشير المصادر إلى أن المؤسسة العسكرية الكندية كانت دائماً متحفظة تجاه التزامات الأمم المتحدة، حيث صرح بوب راي، سفير كندا السابق لدى الأمم المتحدة، بأن “المعارضة داخل وزارة الدفاع الوطني لالتزامات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة متأصلة بعمق في المؤسسة العسكرية الحالية” .
ورغم الإنفاق الدفاعي القياسي الذي تجاوز 81.8 مليار دولار ووصول الإنفاق إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي وفق معايير الناتو، يرى منتقدون أن غياب استراتيجية متكاملة تشمل الدبلوماسية ومنع النزاعات يجعل هذا الإنفاق “مفتقراً إلى التماسك الاستراتيجي” .
———————–
المصادر: إحاطة مجلس الأمن الصادرة عن بعثة UNMISS (6 أغسطس/آب 2026)، بيان وزارة الدفاع الكندي (17 يوليو/تموز 2026)، تقارير صحيفة The Globe and Mail، وكالة TRT، وكالة فيتنام للأنباء، بيان بعثة الصين لدى الأمم المتحدة، صحيفة The Toronto Star