وكتب نصال فياض الزمن: مفهوم في الوعي لا كائن في الوجود

واجومانيوز

بقلم : نضال فياض بلال

منذ أن تنبّه الإنسان إلى الزمن، أصبح موضع اهتمام وملاحظة وتأمل ودراسة، حتى يكاد لا يكون هناك فيلسوف كبير أو عالم فيزيائي إلا وتوقف عنده، وبخاصة منذ أرسطو، مروراً بتوما الأكويني ونيوتن، وصولاً إلى أينشتاين وغيرهم كثير. وقد اكتسب الزمن، عبر هذه الرحلة الطويلة، معاني وتصورات متعددة، واختلفت الآراء في طبيعته وعلاقته بالحركة والتغير والوجود.

واللافت في هذه التصورات أن الزمن جرى التعامل معه كما لو كان شيئاً قائماً بذاته، حاضراً في العالم، له وجوده وخصائصه وحركته؛ فأُسندت إليه أفعال وصفات تُسند عادة إلى الأشياء: يمر الزمن، ويتحرك، ويتوقف، ويتقدم، ويتراجع، ويتمدد وينكمش، وله ماضٍ وحاضر ومستقبل، ومع تراكم هذه التصورات أصبح الزمن يبدو، في بعض التصورات الفلسفية والعلمية، كأنه كائن أو بنية قائمة بذاتها، لا مجرد مفهوم يستخدمه الإنسان لفهم ما يحدث حوله وفيه.

من وجهة نظرنا، إن الزمن وقبل أن يصبح موضوعاً للفلسفة والفيزياء، هو مفهوم تشكّل في الوعي الإنساني كغيره من المفاهيم، ثم أصبح، بالتجربة والخبرة المتراكمة، جزءاً من طريقة الإنسان في إدراك وجوده وفهم ما يجري حوله، إنه مفهوم ذهني مجرد، وظيفي وتطوري، ومن صميم خصائص الوعي والفهم والذاكرة.

ذهني لأنه ليس شيئاً مادياً قائماً بذاته، هو معنى يتشكل في الذهن. وهو وظيفي لأن الإنسان يستخدمه في تنظيم إدراكه للأحداث وتعاقبها، وفي التمييز بين ما كان وما هو كائن وما سيكون، وهو تطوري لأن الإنسان لا يكتسبه مكتمل الصورة منذ بدايات وعيه، وإنما يتشكل ويتسع مع نمو القدرة على الإدراك والتجريد، كما أن الوعي الإنساني القديم لم يكن يتعامل معه بالصورة التجريدية التي يعرفها الإنسان اليوم.

الإنسان لا يرى الزمن شيئاً ماثلاً أمامه، ولا يستطيع أن يشير إليه كما يشير إلى شيء في العالم الخارجي؛ وإنما يُدرك من خلال حضوره في الوعي بوصفه إحدى خصائص الفهم، الأحداث والتغير والتعاقب، وترتيب الوقائع وتقدير المُدد، ويميز بين ما كان وما هو كائن وما سيكون.

بهذه الخاصية الإدراكية يتشكل مفهوم الزمن، ثم يترسخ في الوعي حتى يصبح الإنسان يتعامل معه كما لو كان شيئاً قائماً بذاته، فيسبغ عليه صفات الحركة والمرور والامتداد وغيرها.

وبذلك فإن الزمن ليس معنى عارضاً أضيف إلى الوعي من الخارج، وإنما خاصية وظيفية من خصائصه وضرورية، فالذاكرة مثلاً، لا تستقيم من دون التمييز بين ما مضى وما هو حاضر، والتوقع والتخطيط يتطلبان تمثلاً لما لم يحدث بعد، كما أن فهم الأحداث يتضمن إدراك التعاقب والعلاقة بين ما سبق وما يلحق، وبهذا المعنى يدخل الزمن في بنية الفهم والذاكرة والإدراك، ويؤدي وظيفة أساسية في تنظيم الخبرة الإنسانية.

ولكن الملاحظ أن هذا المفهوم، بعد أن استقر في الوعي الإنساني، كما ذكرنا من قبل قد جرى التعامل معه في كثير من التصورات كما لو كان كائناً قائماً بذاته أو تابو في بعض المجتمعات، له حضور وحركة وخصائص وتجليات، فأصبح الزمن يوصف بأنه يتحرك ويمر ويتوقف، ويقترب ويبتعد، ويتمدد وينكمش، وله ماضٍ وحاضر ومستقبل، وكأن هذه الصفات قائمة في الزمن نفسه.

وهنا يقع الالتباس، فالزمن من وجهة نظرنا، لا يتحرك ولا يقترب ولا يبتعد، وليس له ماضٍ أو حاضر أو مستقبل وإنما الإنسان هو الذي يميز بين الماضي والحاضر والمستقبل، بفعل وعيه وقدرته على تمثّل الزمن، ثم استخدم هذا المفهوم لتنظيم تجربته والتعبير عنها.

الزمن لا يتذكر الماضي ولا ينتظر المستقبل؛ وإنما وعي الإنسان هو الذي يتذكر ويتوقع؛ ولكن هذا لا يعني بأي حال، انتقاصاً من قيمة ما قيل وكُتب عن الزمن في الفلسفة والفيزياء. فهذه الدراسات مهمة، لأنها عمقت فهم الإنسان للعلاقات والتغيرات التي يستخدم فيها ذلك المفهوم الزمن في التعبير عنها، وأفادت في فهم الطبيعة وبناء النماذج العلمية، وليس في ذلك ما يثير الاستغراب؛ فجميع المفاهيم قابلة للدراسة والتحليل والتأمل، وقد تنشأ حولها علوم ونظريات وتصنيفات كاملة.

فالحرية مفهوم، والعبودية مفهوم، والظلم مفهوم، والأخلاق مفهوم، والخوف مفهوم، والفهم مفهوم،ولا يعني إخضاع هذه المفاهيم للدراسة أنها تحولت إلى أشياء مادية قائمة بذاتها، وإنما تصبح موضوعات للبحث من خلال معانيها وشروطها وتجلياتها وآثارها، ويمكن أن تدخل إليها مناهج معرفية مختلفة بحسب طبيعة السؤال المطروح حولها.

من هذا المنظور يمكن فهم الدراسات التي تناولت الزمن. فعندما تبحث الفلسفة فيما إذا كان الزمن مطلقاً أم نسبياً، أو تبحث الفيزياء في العلاقات الزمنية واختلاف القياسات باختلاف الظروف الفيزيائية، أو تتحدث عن تمدده أو انكماشه أو بنيته، فإنها تعمق البحث في المفهوم والعلاقات التي نصفها به، وليس بالضرورة أنها اكتشفت كائناً اسمه الزمن له تلك الخصائص التي ننسبها إليه.

القول بأن الزمن نسبي أو مطلق، أو إن له امتداداً أو بنية معينة، هو حكم واستنتاج يصوغه العقل استناداً إلى الملاحظة والقياس والنمذجة، وقد تكون هذه الاستنتاجات في غاية الدقة والأهمية من الناحية العلمية، لكنها لا تحول المفهوم نفسه إلى كائن يمتلك تلك الصفات.

هنا ينبغي التمييز بين المفهوم وما يدل علي، فالدراسة العلمية لا تحتاج إلى أن يكون المفهوم الذي تستخدمه شيئاً مادياً حتى تكون نتائجها صحيحة، ويمكن للفيزياء أن تبني نماذج دقيقة للعلاقات التي نصفها بالزمن، وأن تقيسها وتربطها بغيرها من المتغيرات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الزمن نفسه أصبح كياناً مستقلاً قائماً في الوجود.

الطبيعة لا تحتاج إلى أن تعرف الزمن لكي تحدث فيها التغيرات، والكواكب لا تحتاج إلى مفهوم الزمن لكي تتحرك في مداراتها، والأحداث لا تحتاج إلى وعي بالزمن لكي تقع، فالذي يحدث يحدث؛ والإنسان هو الذي يدرك حدوثه وتعاقبه وتغيره، ثم يصوغ من هذه الخبرة مفهوماً ينظم به ما يدركه ويقيسه ويصفه.

ولهذا فإن الزمن ليس شيئاً أضافه الإنسان إلى العالم، وإنما مفهوم تشكل في الوعي وأصبح خاصية وظيفية من خصائصه، فالإنسان هو الذي أطلق عليه اسمه، وجرده من الحالات الجزئية التي لاحظها، وقسمه إلى مواقيت ومدد، ووضع له الساعات والتقاويم، ثم جعله موضوعاً للفلسفة والرياضيات والفيزياء.

إن هذا ليس استثناءً في تاريخ الفكر الإنساني؛ فقد فعل الإنسان شيئاً مشابهاً مع مفاهيم كثيرة، ومنها مفاهيم تتصل بالروح والوجود وما وراء الطبيعة، إذ يبدأ الأمر بتجربة أو ملاحظة أو حاجة ذهنية، ثم يتشكل المفهوم، وبعد ذلك يصبح المفهوم نفسه موضوعاً للتأمل والتفسير، وقد تُسند إليه صفات وخصائص تتجاوز وظيفته الأصلية.

من هنا يأتي فهمنا للزمن بأنه مفهوم ذهني مجرد، وظيفي وتطوري، وحاضر بوصفه خاصية من خصائص الوعي والفهم والذاكرة.

عند النظر إليه من هذه الزاوية فقد لا يكون السؤال الأهم: أين يوجد الزمن؟ وما مادته؟ وهل يتحرك؟ وهل يقترب أو يبتعد؟ وهل له بداية ونهاية؟ وهل هو داخلي أم خارجي، مطلق أم نسبي، كلي أم فيزيائي أم أنطولوجي؟

هذه الأسئلة تحمل في صياغتها ذاتها، افتراضاً مسبقاً بأن الزمن شيء مستقل له خصائص الأشياء، بينما الأجدر أن نميز بين الزمن بوصفه مفهوماً في الوعي، وبين الأحداث والتغيرات والعلاقات التي يستخدم الإنسان هذا المفهوم في التعبير عنها وقياسها.

الدراسات الفلسفية والفيزيائية للزمن تظل ذات قيمة كبيرة، لكنها لا تلزمنا بأن نتصور أن المفهوم الذي ندرسه قد تحول إلى كائن مستقل عن الوعي، الزمن بالنسبة إلينا ليس كائناً ولا كياناً قائماً بذاته نكتشفه خارجنا، وإنما هو إحدى الخصائص التي ينتظم بها وعينا خبرته بالوجود.

 

Translate »