
جنوب السودان أمام ساعة الحقيقة: عندما يقترب الخطر من داخل القصر
واجومانيوز
بقلم:كيم قاي
في التاريخ السياسي للدول، لا تسقط الأنظمة دائمًا بسبب أعدائها، بل كثيرًا ما تسقط بسبب من هم داخلها، أولئك الذين يزينون الواقع، ويخفون الحقائق، ويقودون القائد نحو قرارات مبنية على أوهام. وجنوب السودان اليوم يقف أمام هذا المنعطف الحرج، في ظل دائرة ضيقة حول الرئيس لم تعد تُقاس بقدرتها على حماية الدولة، بل بمدى سعيها للسلطة والمال، دون اكتراث حقيقي بمصير البلاد أو حتى بمصير القيادة نفسها
المشهد السياسي في جوبا يتجه نحو تصاعد غير مسبوق في حالة الجذب والشد، وسط ضغوط إقليمية ودولية واضحة لإعادة تشكيل السلطة، واستبعاد قيادات ظلت لسنوات طويلة السلطة التنفيذية تتحكم في مفاصل الدولة وفق مصالح ضيقة، وهو ما دفع البلاد ثمنه من استقرارها ووحدتها وثقة شركائها. هذا التحول لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا لأي تسوية سياسية قادمة.
في قلب هذه التطورات، يبرز ملف الدكتور ريك مشار، بين سيناريو إطلاق سراحه وإبعاده عن السلطة ليكون مواطنًا حرًا، أو إعادته إلى موقعه كنائب أول، وفق ما ستسفر عنه قمة رؤساء الدول المرتقبة الأسبوع المقبل في كمبالا، بحضور المبعوث الإفريقي الرئيس جاكايا كيكويتي. هذه القمة قد ترسم مسار المرحلة القادمة، إما عودة جادة لاتفاق السلام مع تمديده لمدة ستة وثلاثين شهرًا، أو الانزلاق إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، طُرحت أفكار جديدة، من بينها خيار حكومة تكنوقراط مدعومة دوليًا. ورغم جاذبية هذا الطرح نظريًا، إلا أنه يحمل مخاطر كبيرة إذا فُرض دون توافق داخلي، وقد يتحول إلى عامل تفجير بدلًا من أن يكون أداة إنقاذ، حتى وإن وجد دعمًا من بعض مراكز القرار داخل الحزب والحكومة.
السيناريو الأقرب، وفق قراءة واقعية، هو تأجيل الانتخابات المقبلة، وإعادة ترتيب المرحلة الانتقالية، بما يشمل عودة مشار، وتمديد الاتفاق، والتركيز على بناء مؤسسات الدولة. وهي رؤية تتقاطع مع طرح الرئيس كيكويتي، الذي يرى أن أزمة جنوب السودان ليست صراعًا على السلطة بقدر ما هي فشل في تأسيس مؤسسات الدولة، وأن أي انتخابات دون هذا الأساس قد تعمّق الأزمة بدل حلها، حتى وإن تطلب الأمر وقتًا أطول لإرساء دعائم الدولة.
لكن وسط كل هذه السيناريوهات، يظل الخطر الأكبر كامنًا داخل النظام نفسه. إعادة تعيين نفس القيادات التي ساهمت في الوصول إلى هذا الوضع، أكثر من مرة، مع توقع نتائج مختلفة، هو تكرار للأخطاء نفسها. كما أن تعيين من تمردوا على الدولة والحزب في مواقع حساسة، مقابل تهميش الكوادر التي التزمت، خلق شعورًا عميقًا بالظلم داخل الحزب والقاعدة السياسية. هذه المفارقة أضعفت الثقة، ودفعت كثيرين إلى الصمت، ليس قناعة، بل يأسًا.
لكن هذا الصمت ليس استقرارًا، بل إنذارًا مبكرًا. فالأغلبية الصامتة، عندما تفقد الأمل، تتحول في لحظة ما إلى قوة تغيير لا يمكن السيطرة عليها.
الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من الخارج، بل من داخل الدائرة القريبة للسلطة. عندما تتحول مراكز القرار إلى ساحات للمصالح الشخصية، وتُباع المواقع والنفوذ بالمال، يصبح النظام عرضة للاختراق والانهيار من داخله. وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الرئيس سلفاكير، هل يستمر في نفس النهج، أم يتخذ قرارًا تاريخيًا بإعادة تشكيل محيطه واختيار رجال دولة حقيقيين، لا طلاب سلطة ومال.
التاريخ يقدم دروسًا قاسية في هذا السياق. في العراق، لم يكن سقوط نظام صدام حسين عسكريًا فقط، بل سبقه انهيار في الإدراك، حيث كان وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف يقدم صورة بعيدة تمامًا عن الواقع، يعلن الانتصارات بينما كانت بغداد تسقط، فانعزلت القيادة عن الحقيقة حتى فاجأها السقوط. وفي إيران، شهد النظام في مراحل مختلفة صراعات داخلية بين مراكز النفوذ، حيث تُحجب المعلومات أو تُقدَّم بشكل انتقائي، ما يؤدي إلى قرارات لا تعكس الواقع الكامل.
كما تكررت هذه الأنماط في زائير ( كنغو ديمقراطية) مع موبوتو، وفي إثيوبيا مع منغستو، حيث بدت الأنظمة قوية ظاهريًا لكنها كانت هشة داخليًا، فسقطت بسرعة عندما انهارت الثقة داخلها.
جنوب السودان ليس بعيدًا عن هذا المسار إذا استمر النهج الحالي. الرئيس سلفاكير اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في إدارة التوازنات السياسية، بل في قدرته على رؤية الواقع كما هو، لا كما يُنقل إليه، لأن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي قائد هو أن يُحاط بأشخاص لا ينقلون له الحقيقة.
التحدي ليس في المعارضة، بل في الدائرة القريبة.
جنوب السودان بحاجة إلى تحول جذري في طريقة التفكير، في اختيار القيادات، وفي بناء المؤسسات، لأن الدولة لا تُبنى بالولاءات، بل بالكفاءة والصدق والقدرة على مواجهة الواقع.
الوقت لم يعد مفتوحًا، الضغوط تتزايد، والثقة تتآكل، والخيارات تضيق
والخطر لا يعلن نفسه دائمًا، أحيانًا يقترب بصمت، حتى يصبح واقعًا لا يمكن تغييره
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة العاجلة إلى خطوات عملية واضحة، من بينها الدعوة إلى تشكيل فريق وطني إصلاحي يضم كفاءات ذات مصداقية، وإجراء مراجعة داخلية صادقة داخل الحزب الحاكم لتقييم المسار وتصحيح الأخطاء، إضافة إلى وضع خارطة طريق حقيقية لبناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية وقانونية، بما يضمن الاستقرار ويعيد الثقة داخليًا وخارجياً.
ملحوظة:
هذا المقال لا علاقة له بموقفي الأخير أو بترشيحي لمنصب حاكم ولاية أعالي النيل، بل هو قراءة ومطلب أساسي يشخص الواقع السياسي الحالي وما يحمله من مخاطر قادمة. كما أدعو السيدة مدام ادوت سلفاكير ميارديت إلى دعم خيار السلام والإصلاح، بما في ذلك مراجعة وتقييم من حول الرئيس، والذين يعرفهم جيدًا، حيث إن بعضهم أصبحوا مجرد طلاب سلطة ومال، ولا يعكسون حقيقة ما يجري داخل الدولة، بينما ما يُقال داخل القصر لا يعكس دائمًا الواقع على الأرض، والشارع يرى عكس ذلك، وهو ما يجب إدراكه قبل فوات الأوان
كيم قاي