وكتب صموئيل بيتر ..حين يصبح الخلاف السياسي جريمة: قراءة في خطاب كوال منيانق

واجومانيوز

بقلم: صمويل بيتر اوياي
في دولة وُلدت من رحم حرب طويلة، لا يكون الصراع على السلطة مجرد تنافس سياسي، بل امتحان حقيقي لمدى قدرتها على صون العقد الاجتماعي الذي منحها شرعيتها. وحين يخرج أحد رموز التاريخ العسكري والسياسي مثل كوال منيانق ليصف الإقامة الجبرية للدكتور رياك مشار بأنها ( إجراء جنائي لا سياسي) ، فإننا لا نواجه مجرد رأي عابر، بل نصطدم بمنطقٍ يختزل القانون في يد السلطة، ويحوّل الخلاف السياسي إلى ملف أمني مغلق، وهو ما يهدد فكرة الدولة ذاتها.

كوال منيانق هو أحد القادة الميدانيين البارزين في الحركة الشعبية وجيشها الشعبي منذ ثمانينيات القرن الماضي، برز اسمه في أعالي النيل وجونقلي، وانتقل بعد اتفاقية السلام 2005 إلى مواقع الحكم، من حاكم ولاية جونقلي إلى وزير الدفاع بعد الاستقلال. ظل محسوبا على تيار يرى أولوية الأمن على الإصلاحات المؤسسية في أجهزة الدولة والحركة الشعبية، وهو ما انعكس في أسلوب إدارته للأزمات.

تصريحه الأخير أمام اجتماع مع وفد الاتحاد الإفريقي لا يعكس فقط رؤية ضيقة للنزاع القائم، بل يعيد تعريف الخلاف السياسي—القائم على اتفاق سلام مُوقَّع—كقضية (إجرامية ) قابلة للمعالجة الأمنية. هذا التحويل يختصر المسافة بين السياسة والإقصاء، ويقوّض مضمون الاتفاقية، ويعزز حكم الأجهزة بدل حكم المؤسسات.

القانون الوطني والدولي واضح ، إذا كان الاحتجاز جنائيا، فلابد من إبلاغ المحتجز بالأسباب فورا، وتمكينه من الدفاع، وعرضه أمام قاضٍ خلال فترة قصيرة، وضمان محاكمة علنية عادلة . منذ مارس 2025، لم تُقدَّم ضد د. رياك مشار لائحة اتهام قضائية، ولم تُفتح محاكمة، ما يجعل توصيف كوال منيانق غطاءً سياسيا لإجراء غير قانوني.

لكن وراء هذا التوصيف بُعدٌ أعمق لا يراه كثيرون ، الخوف. فالنظام ورجاله، بمن فيهم كوال منيانق، لا يخشون من د. مشار كفرد فقط، بل من رمزيته السياسية وقدرته على إعادة ترتيب المعادلة الوطنية إذا أُتيحت له حرية الحركة. مشار يمثل جزءا من تيارا سياسيا واسع القاعدة، يمتد في جغرافيا حساسة من البلاد، و رياك مهما اختلفت النظام معاه يحمل سجلا تفاوضيا و كاريزما جعل منه شريكا لا يمكن تجاوزه في كل محطات التسوية السياسية و البناء الوطني منذ ايام الراحل دكتور جون قرنق . بالنسبة للنظام، هذه القدرة على الحشد وإعادة التموضع و القدرة علي صناعة الاجندة الوطنية و مواضيعها تمثل تهديدا أكبر من أي خصم آخر، لأنها تهدد البنية الهشة التي تقوم عليها سلطته.

أسلوب كوال منيانق في توصيف الاحتجاز بـ( الجنائي ) ليس تعبيرا عن قوة أو سيطرة، بل عن محاولة لتغطية هذا الخوف خلف خطاب قانوني زائف. فهو يختار لغة ( الجريمة ) بدل لغة الخلاف السياسي لأنه يدرك أن مواجهة مشار او قوي سياسية و التيارات الوطنية في ساحة السياسة قد تكشف حدود قوة النظام أمام شعب أنهكته الحرب، ولكنه ما زال قادرا على التمييز بين الصراع على الكرسي والصراع على مستقبل الدولة.

الحكمة السياسية ليست ميراثا أو لقبا يمنحه التاريخ لجيل المؤسسين، بل هي قدرة على تقييد القوة بالقانون وتحويل النزاع إلى تسوية. ما قاله كوال منيانق يكشف أزمة في النضج السياسي، إذ يختزل الدولة في جهاز أمني يقرر من هو السياسي ومن هو المجرم، وفق تقديراته الذاتية، وهذا منطق ( قانون الغاب) الذي ما زال يسيطر على الوعي النخب الحاكمة حتى الآن.

إذا كان الهدف هو حماية السلام، فالمخرج واضح ، تقديم أدلة واضحة للقضاء أو الإفراج الفوري عن الدكتور مشار لاستمرار في واجباته الوطنية ، وإعادة الخلاف إلى إطاره السياسي، ومعالجته عبر الآليات المتفق عليها في اتفاقية السلام. كما ينبغي أن يتعلم كوال اسلوب رجل الدولة و يتعلم من تعريف (حكمة الكبار) بأنها القدرة على إنقاذ الوطن من الفوضى عبر احترام القانون، لا عبر تغليف القرارات الأمنية بخطاب أخلاقي أو سياسي.

إن هذا الوطن ليس ملكا لفرد أو جماعة، بل هو وطننا جميعا. لقد جمعنا عقد اجتماعي حملنا من ايام النضالات و الحرب إلى لحظة إعلان الدولة، ومن واجبنا اليوم أن نحافظ عليه بالعدل والاحترام المتبادل، لا بالتجريم المتبادل. فالقوة بلا قانون تهدم الأوطان، أما القانون فوق القوة فيبنيها ويصونها لأجيال قادمة. والخوف من سياسي، مهما كانت قوته، لا يجب أن يكون ذريعة لتقويض أسس الدولة، بل حافزا لبنائها على أسس المشاركة، لا الإقصاء.

Translate »