وكتب فرانسيس مايكل..عهود جنوب السودان المنسية: هل أجهض سبتمبر الطريق نحو انتخابات ديسمبر؟

بقلم: فرانسيس مايكل قوانق

في 22 سبتمبر، أصدر الرئيس سلفاكير ميارديت مرسوماً يقضي بحل الحكومة الانتقالية، مستنداً إلى تعديلات دستورية، كان أبرزها التعديلات الأحادية على “قانون الانتخابات القومي لسنة 2012 (المعدل 2026)”. وقد تجاوزت هذه الخطوة بشكل مفاجئ الشروط المسبقة المتمثلة في إجراء تعداد سكاني قومي وصياغة دستور دائم قبل تنظيم الانتخابات. وفرضية اعتبار هذه الخطوة خطوة نحو التحول الديمقراطي لا يمكن قراءتها سوى على أنها تفكيك ممنهج لاتفاقية السلام المنشطة لعام 2018، والتي قامت في جوهرها على مبادئ الشراكة، وتقاسم السلطة، والتوافق.

أنشأت اتفاقية السلام “رئاسة جماعية”، حيث منحت أحزاب المعارضة ومن بينها الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة (SPLM-IO) بقيادة رياك مشار الحق في المشاركة في اتخاذ القرار لمنع أي طرف بمفرده من احتكار السلطة. ومع ذلك، أدت التعديلات الأخيرة إلى تآكل هذه الضمانات، وإبطال هياكل الحوكمة، وتمهيد الطريق لتجريد نواب الرئيس، بمن فيهم الدكتور رياك مشار، من مناصبهم. ونتيجة لذلك، تحولت الرئاسة إلى سلطة مطلقة مركزة حصرياً في يد الرئيس سلفاكير ميارديت، الذي بات يحتفظ بالصلاحيات التنفيذية والدستورية الكاملة طوال الفترة الانتخابية.

يقدم هذا المقال قراءة تحليلية شاملة للمشهد الحالي؛ إذ يفحص تداعيات التعديلات التشريعية الأحادية على اتفاق السلام، ومستقبل الفضاء المدني والتنافس السياسي، والمحددات التي تحكم الحوار بين الأحزاب الجاري في جوبا. وأخيراً، يستعرض الخيارات والسيناريوهات المتاحة لمنع البلاد من الانزلاق إلى مأزق سياسي جديد.

إجهاض معايير السلام وتفكيك الشراكة

يعيد هذا المسار الدولة إلى إطار الدستور الانتقالي لعام 2011، متجاهلاً أسبقية اتفاق السلام كما هي محددة في النصوص الحاكمة السابقة. إن تقويض مبدأ التوافق وتحييد الشراكة يؤدي فعلياً إلى إفراغ الإطار القانوني والسياسي الذي حافظ على الحد الأدنى من الاستقرار والالتزام بمتطلبات وقف إطلاق النار من مضمونه. كما أن تقويض هذه المعايير يهدد بتجريد أي عملية انتخابية قادمة من مشروعيتها السياسية والأخلاقية، مما يحول عملية السلام من اتفاق ملزم إلى أداة تُدار وفق أهواء السلطة الحاكمة.

احتكار السلطة

بموجب التعديلات الدستورية، تم تجميع كافة صلاحيات اتخاذ القرار في يد الرئيس سلفاكير. وقد تجلى هذا النهج الأحادي بوضوح في حل الحكومة الانتقالية وإعلان “حكومة تصريف أعمال” إلى جانب حكام الولايات، وكلهم شخصيات مقربة من فصيل الرئيس سلفاكير والحزب الحاكم.

ويرى العديد من السياسيين والمراقبين في جنوب السودان أن هذا التشكيل الأحادي يمثل خطوة تتجاوز بكثير مجرد الإشراف الإداري اليومي، لتخل بشكل مباشر وعميق بمبدأ تكافؤ الفرص المطلوب لحملات الانتخابات القادمة.

وتكشف نظرة فاحصة على حكومة تصريف الأعمال أن احتكار فصيل واحد للوزارات السيادية، والمالية، والأمنية، والإعلامية يتيح له توظيف الموارد العامة واللوجستيات الحكومية لخدمة آليته الانتخابية. وهذا يحرم الأحزاب السياسية الأخرى حتى من الحد الأدنى من المنافسة العادلة. وعلى الرغم من وجود بنود شكلية في الأوامر الرئاسية تؤكد “حياد” مسؤولي تصريف الأعمال، إلا أن الواقع السياسي والانتماء التنظيمي لهذه الشخصيات يضمن استغلال الجهاز المدني والأمني لتوجيه الناخبين وقمع المنافسين. علاوة على ذلك، فإن تعيين قيادات الولايات والحكام الاستثنائيين دون التشاور مع أصحاب المصلحة السياسيين والمجتمعيين يكرس الهيمنة الإدارية على الأقاليم، ويصادر إرادة السكان المحليين في اختيار ممثليهم أو حتى الشعور بالأمان السياسي.

إن الإجراءات السياسية التي تتكشف حالياً في البلاد تعيد تعريف المسار نحو انتخابات 22 ديسمبر: فبدلاً من أن تكون منافسة ديمقراطية بين برامج ورؤى متنوعة، تحولت إلى تعبئة إدارية وأمنية تهدف إلى إعادة إنتاج النظام الحالي وإضفاء مشروعية زائفة عليه عبر صناديق اقتراع مفرغة من محتواها.

ورداً على ذلك، تعتبر الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة (SPLM-IO) بقيادة رياك مشار، وتحالف حركات المعارضة، والحزب الشيوعي، إدارة تصريف الأعمال بمثابة “انقلاب دستوري وسياسي” يخرق الاتفاق، ويلغي صيغة الشراكة، ويفرض أمراً واقعاً.

وتتحرك مجموعات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني المحلي بجدية نحو حجب الاعتراف السياسي بهذه الإجراءات. وتؤكد أن اتفاقية حل النزاع المنشطة في جنوب السودان (R-ARCSS) قد انهارت فعلياً كمرجعية تأسيسية للمرحلة الانتقالية، داعية إلى تدخل إقليمي ودولي لإعادة تقييم الإطار الموجه للعملية السياسية.

وقد تركزت المطالب باستمرار على فتح الفضاء المدني، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإلغاء القوانين المقيدة، وضمان الأمن للمرشحين والناخبين على حد سواء. ومع ذلك، تظل الحكومة بقيادة سلفاكير صماء أمام هذه الدعوات، حيث تصف هذه الأصوات بأنها معادية للعملية الانتخابية وتواصل المضي قدماً رغم ذلك.

إن الأزمة الحقيقية في جنوب السودان اليوم لا تكمن فقط في رفض هذه المراسيم، بل في بيئة القمع والمضايقات المشددة التي تُمارس فيها الأنشطة السياسية. إن القيود في حرية التعبير، والتجمع، وتكوين الجمعيات، إلى جانب المحاكمات السياسية المستمرة والمخاوف الجسيمة بشأن السلامة الشخصية لقادة المعارضة، كما يتجلى في أزمة الضمانات الأمنية الخاصة برياك مشار ودفاعه أمام المحكمة الخاصة كلها مؤشرات صارخة. وهي تؤكد أن البيئة الحالية غير مناسبة تماماً للانتقال السلمي للسلطة أو المنافسة السياسية الحرة، مما يتطلب قرارات سياسية لإنقاذ البلاد من مأزق جديد قد تفوق تداعياته الأزمة الحالية.

هل يمكن للحوار بين الأحزاب أن يبعث الأمل؟

“يجب ألا يُستخدم الحوار بين الأحزاب السياسية كمنصة لتعديل خارطة الطريق الانتخابية.” بهذا التحذير الصريح للأحزاب السياسية، ألقى الرئيس سلفاكير خطاباً محاطاً بالتهديدات والشروط المسبقة للمشاركة.

وسط هذه البيئة المشحونة، انطلق “الحوار السياسي بين الأحزاب” في جوبا تحت شعار “انتخابات سلمية وشاملة وشفافة”. ومع ذلك، فإن المحتوى الأساسي والإشارات السياسية التي صاحبت افتتاحه قد قوضت الأهداف المعلنة للمبادرة برمتها.

إن خطاب الرئيس سلفاكير الصريح وتحذيراته المباشرة التي حظرت على القوى المشاركة استغلال الحوار لتعديل الجدول الزمني للانتخابات أو مراجعة المسار الدستوري قد حددت نتائج الحوار مسبقاً وسقفت سقف النقاش.

تحول هذه الشروط الصارمة “الحوار” من منصة لبناء التوافق إلى عرض مسرحي صُمم لإضفاء المشروعية على قرارات سبتمبر. إن أي عملية انتخابية مصداقة تتطلب أصولاً التداول بشأن الجداول الزمنية وتقييم الجاهزية اللوجستية والأمنية. وبمنع الأحزاب من مناقشة “جدول الانتخابات”، يُجرد الحوار من مضمونه التحليلي والعملي، ليتحول إلى أداة لفرض الانصياع وتمرير أجندة الحزب الحاكم.

إن نتائج أي حوار سياسي تُفرض فيه خطوط حمراء مسبقاً ستظل هشة بطبيعتها، وتفتقر إلى الدعم الشعبي أو التوافق الحقيقي، وتؤدي في النهاية إلى تعميق أزمة الثقة بين الخصوم السياسيين بدلاً من معالجتها.

ويشير تحليل هذه العوامل إلى أن جنوب السودان يبدو غير مستعد تماماً لإجراء انتخابات يمكن وصفها بأنها “مصداقة أو حرة أو آمنة” في الموعد المحدد في 22 ديسمبر 2026. إن فرض الاقتراع تحت هذه الظروف المحفوفة بالمخاطر يحمل في طياته خطر إجهاض التجربة الديمقراطية برمتها، وتحويل الانتخابات من أداة للاستقرار إلى محفز لتجدد الصراع المسلح.

ما هي الخيارات المتبقية؟

إدراكاً لحالة الانسداد السياسي الكامل في جنوب السودان، تواجه الأطراف الوطنية مجموعة محدودة من الخيارات والسيناريوهات، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

انتخابات فرض الأمر الواقع: هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب إذا أصرت إدارة سلفاكير على مسارها، وأجرت الانتخابات في موعدها عبر جهود أحادية ودون مشاركة المعارضة الرئيسية. وبدلاً من ذلك، قد تجري الحكومة انتخابات رئاسية مع تأجيل الانتخابات البرلمانية وانتخابات حكام الولايات إلى وقت لاحق.

وتتضمن العواقب المتوقعة لمثل هذا الاقتراع الأحادي مقاطعة واسعة النطاق، وتجريد الانتخابات من مشروعيتها الإقليمية والدولية، وتعميق الانقسامات القبيلة والإقليمية، وثورة التمرد المسلح في الولايات التي تشعر بالتهميش السياسي.

التمديد غير المشروط: تأجيل الانتخابات لفترة إضافية دون وضع إطار عمل جديد، وتكرار الأنماط السابقة. ويضمن هذا المسار استمرار المأزق السياسي، وتآكل ما تبقى من مشروعية داخل مؤسسات الدولة، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وفقدان الثقة الكامل بين الشارع الشريك والدولي في قدرة النخبة السياسية على إدارة المرحلة الانتقالية.

الطريق الآمن: يمثل هذا السيناريو العقلاني بالنظر إلى الوضع المتدهور، ويقف كنهج يدعو لمنع البلاد من الانزلاق نحو الكارثة. وهو يتطلب خطوات شجاعة من الحكومة بقيادة سلفاكير وجميع الموقعين على اتفاقية السلام المنشطة لإعادة ضبط المرجعية السياسية واستعادة التوافق الحقيقي.

Translate »