
وكتب نضال بلال ..الاختلاف أهم ملامح جمالنا
واجومانيوز
بقلم: نضال بلال
ما كان للحياة على هذا الكوكب أن تكون بهذا الثراء، لولا اختلاف البشر: ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم وعاداتهم وطرائق عيشهم، واختلاف البيئات التي نشأوا فيها والتجارب التي مروا بها.
هذا الاختلاف لم يوجد ليكون تفصيلًا عابرًا في تاريخ الإنسان، وإنما هو أحد أهم الشروط التي جعلت من التجربة الإنسانية واسعة ومتعددة وقابلة للتطور، بل الحياة أكثر غنى وتنوعاً وجمالًا.
لنتخيل، للحظة، عالمًا لا اختلاف فيه.
ماذا لو كان البشر جميعًا بلون واحد، ولغة واحدة، وثقافة واحدة، وتاريخ واحد، وطريقة واحدة في العيش؟
ماذا لو لم تعرف البشرية إلا تصورًا دينيًا واحدًا، ورؤية واحدة للوجود، ولم يعرف العالم سوى إنسان ينظر إلى الأشياء من زاوية واحدة لا يختلف فيها عن الآخر؟
حتماً، كان العالم سيكون أكثر بساطة وسذاجة، وفقرًا في المعرفة والإبداع.
لأن التفكير نفسه كي يتطور يحتاج إلى الاختلاف، نحن لا نكتشف حدود أفكارنا إلا عندما نلتقي بأفكار أخرى، ولا نرى ما في ثقافتنا من خصوصية وبهاء، إلا عندما نقارنها بثقافات تختلف عنها، ولا نكتشف إمكانات لغتنا إلا عندما نسمع لغات أخرى، بل ما كان لنا أن ندرك خصائص تجربتنا في العيش على هذا الكوكب لولا أن رأينا كيف يعيش الآخرون.
ماذا لو كانت البشرية كلها تعبد إلهًا واحدًا، بالتصور والمعتقدات والطقوس نفسها، ونظرتها إلى معاني الوجود هي واحدة ؟، هل كان سيظل للإيمان من معنى؟
ربما يبقى الإيمان في هذه الحال حاضرًا، لكن الإنسان سيفقد ذلك الثراء الذي منحه إياه الاختلاف وهو إمكانية تعدد الأسئلة ، فالتفكير في الوجود لا يتسع بثبات الأجوبة وحدها، وإنما بتعدد الأسئلة والتصورات والتفسيرات والاحتمالات التي ينشغل بها العقل، ومن هذا التعدد يتشكل ذلك العمق للتجربة الإنسانية في البحث عن معنى الوجود.
لم يولد الدين ليكون حرباً على الآخرين، فقد عرفه الإنسان مبكراً رؤية ومعرفة وفكراً وتنظيماً وآداباً، فباتت حياته به أجمل وأشد انضباطا وانتظاما وأكثر مساواة وعدلاً ودهشة بجمال الكون وبمعجزة وجوده وتنوعه باختلافه عن الآخر.
وُجدت الأديان لنكون أكثر إنسانية وتميزاً عن وحوش الغاب، وقد كان ذلك قبل أن يشهد الدين ذلك التسلط عليه من الإنسان ذاته، إذ اتخذه عقيدة، ومبرراً وسببا للحرب والاقتتال.
لقد استأثروا به كسلاح وحولوه من أداة للمعرفة والتفكير، إلى سجن للمعرفة والتفكير والتبصر، وذلك حين جعلوه لا يعبر إلا عن الرؤية الواحدة والفهم الواحد والمصدر الواحد.
لقد قتلوه حين نقلوه من إيمان وتدبر وتطلع إلى تحقيق العدل والمساواة إلى عقائد جامدة لا تعي ولا تفهم ولا تبصر إلا وفقاً لما لديها، فلم تعد الغاية من الأديان الإيمان والمعرفة، وإنما الاجتماع والتكتل والتعصب والسلطة والنفوذ لقد قتلوا جمال التعدد وصادروا المعرفة وقضوا على الخيال.
لم يفهموا أن اختلافنا يعني تعدد أسئلتنا وتصوراتنا وتفسيراتنا، وأنه في هذا التعدد يشهد العقل أروع حراكه، فهو من خلاله يعرف طفولته، ويعرف المسافة التي قطعها في تطوره على دروب المعرفة والحقيقة بالعلم.
ماذا لو كنا جميعًا بلون واحد؟ ألسنا كنا اليوم نجهل أن حقيقة أن اللون هو أحد وجوه التنوع البشري وبأنه ممكن، وبأننا ما كنا أدركنا ذلك الجمال نفسه الذي يسكن هذا التنوع؟، ما كنا علمنا بأن السعادة لا تطيق الرتابة ولا تفضل النسخة الواحدة.
لم يفهموا أن الاختلاف بألواننا جعل الحياة أكثر بهاءً، وأثار في أذهاننا الأسئلة الأعمق عن ذلك التنوع وعن الحياة وأسرارها، وأنه بهذه الأسئلة يزداد بها عقل الإنسان إشراقاً كلما ازداد طرحه لها وتعمق بحثه عن إجاباتها.
يجب ألا يكون الاختلاف في اللون مرتبة للتفرقة بين أبناء الإنسانية، وكذلك جميع أنواع الاختلاف التمييز: اللغات والثقافات والأديان والمذاهب والطوائف.
جميع الاختلافات هي مصادر للجمال والثراء، ومجالات يتسع فيها تفكير الإنسان ومعرفته.
الانتماءات التي يولد الإنسان داخلها هي بعض من ذلك المعنى الذي يجعل الإنسان يشعر بأهمية وجوده وبتميزه وخصوصيته، إنها الهوية التي عليه أن يعتز بها لا أن يخجل منها، لأنها سبيله إلى معرفة الآخر وفهمه، وليست الذريعة للاحتراب والاقتتال.
المأساة بدأت حين انقلبت المفاهيم، فأصبح الاختلاف تهمة، وأصبحت الانتماءات جدراً، تفصل ما بين البشر بدل أن تكون جسورًا تقرب ما بينهم.
وحين باتت الاختلافات سببًا للتسلط على الآخرين والتعالي عليهم، إذ في تلك اللحظة انحرف الإنسان بفهمه عن المعنى الأساس للاختلاف: من كونه جمالاً وثراء وتنوعاً في التفكير والمعنى والاحتمال، ليقتصر على ذلك المعنى التوحشي: سلطة ذات قوة ونفوذ، ولا ترى بالدين إلا امتيازًا يمنحها حق التسلط والسيطرة على المختلف عنها، تقتل وتبيد باسم الدين الذي اغتُصب معناه يوم تسلطت عليه وأخذت تمترس أفعالها المشينة باسمه.
الإنسان بفعل الصور المختلفة للعنصرية والتمييز بدلاً من أن يجعل من الاختلاف في اللون لونًا، أصبح عند بعض البشر معيارًا للرفعة أو الدونية، وبدلاً من أن تكون اللغة وسيلة للتعبير والتواصل، أصبحت سببًا للاحتقار لمن يتحدث تلك اللغة المغايرة للغتنا، وبدلاً من أن تكون الثقافة تجربة بشرية تراكمت في بيئة معينة، أصبحت لدى بعض الجماعات دليلًا على رقي أو انخفاض أمة عن سواها.
لقد تحولت القبيلة من رابطة للقرابة والتضامن إلى عصبية، وتحولت الإثنية إلى حاجز، وتحولت القومية في بعض صورها إلى تعصب وشوفينية عمياء، وأصبح الدين بعد أن كان يمنح الإنسان المعنى لحياته، أداة للحكم على الآخرين، ومبرراً لسفك الدماء والإرهاب، فلم تعد المشكلة في الاختلاف ذاتها، وإنما في المعنى الذي نعطيه لذلك التنوع والاختلاف.
إنه وإلى اليوم ثمة من لم يفهموا: أن الإنسان لم يختر لون بشرته، ولا أسرته، ولا اللغة التي وجد نفسه يتكلمها، ولا المكان الذي وُلد فيه، ولا الدين الذي نشأ عليه ولا الطائفة أو المذهب؟
وأنهم بفهمهم الشاذ والمنحرف، قد قلبوا الحقائق، التي كانت الغاية منها التنوع والجمال، فجعلوها أسبابًا للسلطة والسيطرة، بل مبرراً للقتل والإبادة.
وأنهم بهذه المواقف المخجلة التي يمارسونها، يتنكرون للفطرة الطيبة للإنسان، يتحولون به من كائن كان يبحث عن معنى لوجوده إلى مفترس تدفع به شهوة السلطة إلى الجشع والكراهية للآخر، وهذا أكثر أشكال العنصرية قبحاً: أن يفخر الإنسان بشيء لم يصنعه، ثم يستخدمه لاحتقار إنسان آخر لم يختر هو أيضًا ما وُلد عليه.
لقد عرف التاريخ صورًا قاسية لهذا المنطق، استُخدم اللون لتبرير العبودية والفصل العنصري، وهو يُستخدم اليوم لتبرير الإقصاء والاستعمار، بل ويستخدم على نحو مضاعف كل من الانتماء الإثني والقومي في صراعات وحروب دامية، ويُستغل فيها الدين والطائفة والمذهب لتقسيم البشر إلى جماعات تتشهى كل منها سحق الأخرى!، والنتيجة أنه: لم يعد اختلافنا عن الآخر مجرد اختلاف، بل حرمانًا واضطهادًا وقتلًا وإبادة للآخر.
الانتماء في ذاته ليس بجريمة، ومن الخطأ أن يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن لغته أو ثقافته أو دينه أو ذاكرته كي يصبح متسامحًا.
إنه ليس مطلوباً منه أن يزيل هويته حتى تنتهي العنصرية، وإنما المطلوب أن يعرف الفرق بين أن يقول: “أنا أنتمي إلى هذه الجماعة”، وبين أن يقول: “لأنني أنتمي إليها فأنا أفضل منك”.
الأولى هوية، والثانية عنصرية وتمييز، ومن هنا، فإن الدفاع عن التنوع يكون واجباً إنسانياً مطلقاً، لأننا من خلاله نستطيع أن نشعر بسعادتنا بجمال الحياة من حولنا وأن نحبها.
علينا أن نعتز بأمتنا دون أن نخجل منها ولكن من دون أن نجعل من تاريخها مبررًا لاحتقار الأمم الأخرى.
لا يمكن للحضارة الإنسانية أن تتطور وتتقدم والعزلة هي التي تهيمن على الجهات الأربع من هذا الكوكب.
كم من فكرة عبرت الحدود، وكم من معرفة انتقلت من شعب إلى آخر، وكم من فن امتزج بفن، وكم من كلمة انتقلت من لغة إلى لغة، وكم من اختراع نشأ في بيئة ثم غيّر حياة بشر لم يعيشوا فيها؟
علينا ألا ننسى أن ما نعدُّه اليوم جزءًا خالصًا من ثقافتنا يحمل، آثار تفاعل طويل مع ثقافات أخرى.
العنصرية هي عملية اختزال للإنسان، وهذا ظلم مزدوج: ظلم للإنسان، وظلم للحقيقة.
لم يوجد الاختلاف بيننا لكي نفترق، وإنما لكي نكتشف، من خلاله، كم كان للحياة أن تكون واسعة وثرية وبهيّة بقبول وجود الآخر.
وإذا كانت البشرية قد أمضت جزءًا كبيرًا من تاريخها وهي تسأل: من نحن؟ ومن هم؟ فقد يكون الوقت قد حان لسؤال آخر:
ماذا نستطيع أن نصنع معًا، ونحن مختلفون؟