
وكتب نضال بلال …وجوه الغاية الواحدة ..الإسخريوطي وبطرس وميكيافيللي
واجومانيوز
بقلم:نضال بلال
ليس من الضروري أن يكون الإنسان هو ذاته الذي تصفه أقواله عن نفسه؛ فقد يتحدث، في أوقات شعوره بالأمان، بكل حماسة عن إخلاصه لأفكاره ومبادئه، وعن استعداده للتضحية بنفسه من أجلها، ثم يجد نفسه حين يواجه الخطر الذي يهدد حياته، أمام حقيقة أخرى لم يكن قد اختبرها من قبل؛ فالأقوال التي نطلقها عن أنفسنا شيء، وما نفعله حين نواجه الخطر شيء آخر.
حين قال بطرس للمسيح، في سياق الحديث عن اقتراب القبض عليه: «إني مستعد أن أمضي معك حتى إلى السجن وإلى الموت»، أجابه المسيح: “أقول لك يا بطرس: لا يصيح الديك اليوم قبل أن تنكر أنك تعرفني ثلاث مرات”.
لم يكن جواب السيد المسيح قولًا عابرًا يخص بطرس وحده، بل يمكن قراءته بوصفه إشارة عميقة إلى طبيعة الإنسان، فالمسيح، وهو المعلم ذو الطبيعة الاستثنائية، يشير إلى حقيقة عميقة كامنة في الذات البشرية، أنه قد يشعر الإنسان حين يتحدث عن التضحية بنفسه لأجل هدف سام أو نبيل، لكنه حين يطالب بالتنفيذ سيعيد التفكير وأكثر من مرة حين يجد حياته نفسها مهددة.
بطرس لم يكن كاذبًا؛ كان يرى نفسه وفيًّا لما يؤمن به، وكان صادقًا فيما يقوله عن نفسه، ولكن قبل أن يواجه الاختبار الحقيقي، فهو لم يكن يعلم أن الأقوال شيء، والاختبار شيء آخر.
هنا لم تعد المسألة مجرد ضعف في الإيمان، كما حاول بعض رجال الدين المسيحي تفسيرها، وإنما هي تكشف عن حقيقة أعمق: رغبة الإنسان في البقاء والاستمرار في الحياة.
نشاهد هذه الرغبة تظهر بأشد صورها عندما يصبح الموت احتمالًا قريبًا ومباشرًا.
أما إشارة المسيح إلى أن الإنكار سيتكرر ثلاث مرات فيضيف إلى المشهد دلالة أخرى؛ أن الإنسان مستعد لأن يكرر الخطأ ذاته، وهو يعلم بأنه خطأ ولكنه يفعله مادام الخطر الذي يهدد ذاته قائمًا.
التكرار هنا ليس مجرد تفصيل في الرواية، وإنما يُقرأ بوصفه تعبيرًا عن شدة تمسك الإنسان بالبقاء حتى بعد علمه بأن ما يفعله لهذه الغاية هو خطأ.
“إني مستعد أن أمضي معك حتى إلى السجن وإلى الموت”؛ صورة نكاد نشاهدها كل يوم في مساقات مختلفة من حياتنا.
الإنسان يتعهد كثيرًا، لكنه ليس من الضروري أنه دائمًا يستطيع تنفيذ ما تعهد به، فالظروف حين تتغير تضعه أمام حسابات لم تكن في ذهنه موجودة لحظة إطلاق الوعد.
نحن هنا لسنا في محكمة الأخلاق، وإنما في محكمة الواقع وثمن الوجود، والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الخوف من الفناء عاملًا رئيسًا في اختلاف مواقف الإنسان وتراجعه عن تعهداته مهما كانت سامية، فهل هو العامل الوحيد؟
يهوذا الإسخريوطي يكشف لنا وجهًا آخر للمسألة، فعلى ما يبدو أن الأمر ليس مقتصراً على الخوف، رغم أن الغاية واحدة، يهوذا يكشف لنا عن عمق سعي الإنسان للثروة والسلطة وعن مبررات العديد من المواقف التي تعبر عن انحداره الأخلاقي، فلا تتعلق الحالة بالخوف وحده؛ فثمة المصلحة والطمع والرغبة في الحصول على المزيد من كل شيء طالما هو نافع له ويسهم في إطالة عمره ويساعده على البقاء.
يهوذا لم يخن المسيح لأنه كان يفكر لحظة قبض المال بأن هذا المال يأخذه ليزيد ما عنده أو يحمي نفسه به من جوع أو يقويه على دفع مرض قد يحل به مستقبلاً، لقد كان يتصرف بما تأمره به نفسه دون أن يعلم بذلك الشعور الدفين الكامن في ذاته وهو حرصه على البقاء، الطمع وحب المال هو الظاهر والخيانة ذلك الانحدار الأخلاقي لدى يهوذا لم يكن مجرد طبع وإنما يعبر عن حقيقة تصرخ بداخله حب البقاء مهما كان الثمن.
لذا المال في حياة الإنسان له منزلة كبيرة في حياته لأنه مطلب أساس لاستمرار به يستطيع توفير حاجاته الضرورية لبقائه، بالمال يحمي نفسه من عثرات المستقبل، من العجز أمام المرض، لذا علينا ألا نعجب من المثل الشعبي ” المال هو الروح”، بهذا الفهم من البدهي أن يتحول جمع المال طبعاً ونعبر عنه بالطمع، إنه لم ينشأ من فراغ وإنما من سبب حقيقي ضاغط وكامن في أعماق الذات البشرية.
الإنسان يحرص عليه لأنه سيقوى به على الذهاب الى الطبيب مادام يستطيع وكذلك حين يحرص على تناوله للغذاء الصحي فقط، ويمارس الرياضة، ويحاول أن يحافظ على بنية قوية لجسمه تتمتع بمناعة قوية.
إن كل هذه الأفعال، رغم اختلاف مظاهرها المباشرة، تلتقي في غاية عميقة واحدة: استمرار الحياة ومقاومة الفناء.
من هنا يمكن توسيع النظرة إلى ما هو أبعد من ذلك: إذ نجد العديد من صور الانحدار الأخلاقي لدى الإنسان: الخيانة والفساد والمراآة والكذب والمجاملة جميعها يقبل الإنسان بممارستها عندما يجد له في ذلك مصلحة على الاستمرار والبقاء.
الإنسان لا يريد بالضرورة أن يكون فاسدًا أو خائنًا أو كاذبًا؛ لكنه قد يقبل هذه الأفعال عندما يرى فيها وسيلة تحميه بل تؤجل خسارته الكبرى وهو رحيله عن الدنيا، وهكذا يصبح الخوف والطمع وجهين مختلفين لحاجة أعمق هو: البقاء، أحدهما يظهر حين يهدد الخطر وجود الإنسان مباشرة، والآخر حين يسعى الإنسان إلى امتلاك ما يعتقد أنه يوفر له شروط حياة أطول وأكثر أمنًا واستقرارًا.
ما بين بطرس والإسخريوطي، وما يمثلانه من وجهين للذات الإنسانية، يظهر ميكيافيللي بفلسفته التي تنقل المسألة من مستوى الفعل الفردي إلى مستوى منطق الحياة والسياسة؛ فالمصلحة والغاية والبقاء تصبح عناصر أساسية في فهم الفعل السياسي.
إن العبارة التي وردت “عَرَضا” في كتابه الأمير” الغاية تبرر الوسيلة”؛ لم يطرحها ميكيافيللي كقاعدة عامة ونهجاً للإنسان في الحياة، لكن الفكرة ارتبطت به لاحقًا وأصبحت تعبيرًا شائعًا عن التفكير الميكيافيللي، إذ ينظر صاحبه إلى السياسة من خلال الواقع وموازين القوة والمصلحة، لا من خلال المثال الأخلاقي المجرد.
الأهم من العبارة ذاتها هو ما تكشفه عن حقيقة علاقة الإنسان بالغاية والوسيلة، فالإنسان حين يجد غاية معينة ضرورية لبقائه أو لمصلحته، قد يعيد النظر في جميع الوسائل التي يستخدمها بهدف الوصول إلى الغاية، فيصبح ما كان مرفوضًا أخلاقيًا في الظروف العادية، مبرراً في نظره، بل مقبولًا عندما يوقن أن وجوده مهدد.
أهمية التفكير الميكيافيللي في واقعيتها حين يكون الأمر متعلقاً بالوجود، وليس لأي أمر آخر عارض لا يؤدي في عمقه إلى الغاية ذاتها وجوده واستمراره.
ومن هنا يمكن قراءة الشخصيات الثلاث بوصفها ثلاث صور مختلفة للمسألة ذاتها: بطرس يكشف الإنسان أمام الخوف حين يصبح الموت قريبًا؛ ويهوذا يكشف الإنسان حين تتحول المصلحة والطمع إلى وسيلة لحماية الذات وتأمين شروط استمرارها؛ وميكيافيللي ينقل منطق المصلحة والبقاء إلى مجال السلطة والفعل السياسي.
إنها وجوه مختلفة في ذات واحدة: ذات تريد أن تبقى وترفض الفناء.
قد يعترض معترض فيقول: ماذا عن الذين يضحون بأنفسهم من أجل قضايا يرونها نبيلة وعادلة؟ ماذا عن الذين يقدمون حياتهم من أجل أوطانهم، أو دفاعًا عن إيمانهم ومعتقداتهم؟
الجواب بسيط: إن هاجس البقاء القابع في أعماق الإنسان لا يأخذ صورة واحدة في العبير عن حقيقته، فقد يسعى الإنسان إلى البقاء المادي، ولكنه حين يعجز يلجأ للبقاء ولكن من نوع آخر فيسعى إلى البقاء الرمزي والمتخيل.
أمام حقيقة حتمية الموت يتخلى عن بقائه المادي المتمثل بكل أساليب السعي لحماية ذاته، ولكنه حين يوقن أن كل شيء يفعله لن يغير من الحقيقة الوجودية شيئاً يتوجه للبقاء الرمزي فيكتب الشعر ويبحث عن السلطة والجاه ليحمي ذاته ويترك اثراً له في الدنيا لم يستطع أن يوفر فيها لنفسه بقاء ماديا، إذن لابد من البقاء الرمزي: الشهرة والجاه والبقاء في الذاكرة والكتب وصفحات التاريخ.
المهم أن يبقى موجوداً وألا يندثر، حتى أنه – في أحيان كثيرة – نجده يوصي بما يجب أن يكتب على قبره لا لشيء إلا سعياً للخلود ولو من حجر وتراب.
في التصورات الدينية يأخذ هذا البقاء صور أخرى أكثر اتساعًا: حياة لا تنتهي بالموت، بل انتقال إلى وجود أبدي.
ولهذا يمكن أن تصبح التضحية بالمال إذا لزم الأمر أو النفس، فعلًا من أفعال البحث عن البقاء؛ فالجسد يفنى، لكن الإنسان الذي يضحي بماله أو بنفسه يرى أن ما يموت من وجوده المادي وطالما هو حتمي ولا يملك دفعاً له فإن الخلود هو في مكان آخر.
من هذه الزاوية يمكن قراءة ندم يهوذا بعد خيانته للمسيح، وإقدامه على الانتحار،
فالمال الذي ظنه وسيلة بقاء اكتشفه ثمناً زائفاً ومؤقتاً، ولم يعد يفيد في منح الخيانة معناها، آنذاك أدرك فداحة ما فعل، فاختار الانتحار ليس ندماً كما يقدمونه لنا، وإنما كمحاولة منه لطلب العفو والغفران وبالتالي الحصول على البقاء الأبدي الذي هو بلا شك من وجهة نظره أثمن.
في هذه القراءة، لا نجد انتحار يهوذا أنه مجرد اختيار لإنهاء حياة، بل محاولة لاستعادة الحياة حين أدرك أنه مازال لديه فرصة ثانية لضمان البقاء فآثر التكفير عن ذنبه بقتل نفسه طلباً للبقاء من جديد.
الحال ذاتها يمكن أن تظهر ولكن بصور مختلفة، عند الذين يطلبون البقاء الرمزي أيضاً؛ إذ يرون التضحية بالحياة المادية ليست هي نهاية مطلقة، بل بداية لحياة هي أجمل وأبقى فلا وجود فيها لساعة نهاية أو زوال، عالم فيه السعادة أبدية.
ومن ذلك نفهم: أن وجوه سعي الإنسان للبقاء وإن كانت متعددةـ، لكنها جميعاً تعبر عن غاية واحدة: مقاومة الفناء وحب البقاء، وذلك لأن الإنسان في أعماقه يرفض أن يكون وجوده مجرد عابر ينتهي إلى العدم والزوال.