وكتب نضال فياض… الوعي منا وليس من مصدر آخر

واجومانيوز

بقلم: نضال فياض بلال 

من أكثر الموضوعات التي شهدت من الفلاسفة والعلماء، والنظريات القديمة والحديثة الوعي، فقد حاول بعض الفلاسفة مقاربته من خلال التأمل الفلسفي، بينما اتجه البحث العلمي وبخاصة في عصرنا إلى ربطه بوظائف الدماغ وآلياته.

النظريات العلمية الحديثة، حاولت نقل البحث في الوعي من التأمل الفلسفي إلى دراسة ما يحدث داخل الدماغ، ومن أبرز هذه المحاولات نظرية مساحة العمل العالمية، التي تربط الوعي بإتاحة المعلومات على نطاق واسع بين شبكات الدماغ، ونظرية المعلومات المتكاملة، التي تربطه بدرجة تكامل المعلومات داخل النظام العصبي، والنظريتان تختلفان في تفسيرهما للوعي، لكنهما تلتقيان في ربط البحث فيه بالبنية والنشاط العصبيين، لا بكيان منفصل عن الدماغ.

إلا ان المسألة مازالت مفتوحة؛ لأن السؤال لم يعد فقط: كيف يعمل الدماغ؟ وإنما أصبح أيضاً كيف نفهم الحالة التي نسميها الوعي؟، بل ربما كان جزء من صعوبة المشكلة ناتجًا عن الطريقة التي صيغ بها السؤال منذ البداية؛ فكثيرًا ما يُعامل الوعي وكأنه شيء قائم بذاته، ثم يُبحث عن الكيفية التي ينشأ بها من المادة، أما لو بدأنا من الإنسان نفسه، ومن دماغه، ومن علاقته بالعالم، فقد تصبح المسألة أقل غموضًا.

الوعي ليس شيئًا خارج الإنسان

نحن لكي نفسر وجود الوعي لا نحتاج، إلى افتراض أنه جاء إلى الإنسان من مصدر غيبي أو من قوة مستقلة عن مادته العصبية.

الإنسان يولد بجهاز عصبي ودماغ، وينمو في بيئة معينة، ويتلقى عبر حواسه عددًا هائلًا من المؤثرات، ويعيش تجارب متنوعة، ويتعلم اللغة، ويكتسب المعرفة، ويكوّن الذكريات والعادات، ويتفاعل مع الآخرين ومع البيئة التي يعيش فيها، كل ذلك يترك أثره في جهازه العصبي ويصبح جزءًا من تاريخه، لذا فعندما يواجه حدثًا جديدًا، فإنه لا يستقبله بعقل فارغ.

إن كل ما يرد إليه من الخارج يدخل في تفاعل مع ما هو موجود أصلًا في دماغه من خبرات ومعارف وتجارب وذكريات وعادات وأنماط استجابة(سلوك) وفي الوقت نفسه يكون الدماغ نفسه في حالة نشاط مستمر بين شبكاته ومراكزه العصبية. ومن هذين النشاطين الأول مع الخارج والآخر الداخلي ما بين شبكات الخلايا والمراكز العصبية العاملة كل بحسب اختصاصها تتكون الحالة التي نسميها وعيًا.

لذلك يمكن أن نقول، في تصور مادي للوعي:

الوعي حالة ناشئة عن التفاعل المتبادل بين الخلايا والشبكات العصبية في الدماغ، في اتصالها بما يرد إليها من العالم الخارجي وبما هو مخزن لديها من خبرات وتجارب ومعارف وذكريات وعادات.

بهذا التعريف نؤكد ارتباط الوعي بالدماغ وبأنه لا يمكننا تصوره منفصلاً عنه، أو أنه من ماهية مغايرة لها خصوصيتها واستقلالها كما حاول القدماء أن يفهموه، وكما أن هذا الارتباط لا يجعله مادة ثانية تضاف إلى المادة العصبية، إنه نتيجة لعمل منظومة مادية بالغة التعقيد.

فالخلايا العصبية تؤدي وظائفها المحددة ضمن شبكة هائلة من الموصلات العصبية ما بين المراكز فتحدث الاتصالات اللازمة بحسب الموقف.

في الدماغ لا توجد صورة كاملة للإنسان داخل خلية واحدة، ولا يوجد الخوف في خلية واحدة، ولا توجد فكرة رياضية في خلية واحدة، إنما تنشأ الوظائف من تفاعل تلك الأعداد الهائلة من العناصر المنظمة والعلاقات المتبادلة بينها.

من هنا لا نحتاج إلى أن نقول إن الخلية “تعرف” أو” تشعر” ، فيكفي أن نفهم كيف تعمل الشبكات العصبية التي تتكون منها، وكيف تتبادل الإشارات والمعلومات، وكيف تتكامل نتائج هذه العمليات منتجة الوعي.

الوعي وفق هذا التصور، ليس وظيفة خلية منفردة، ولا وظيفة مركز منفرد في الدماغ، وإنما حالة ناشئة من النشاط المتكامل لمنظومة عصبية واسعة.

فالإدراك ليس استقبالًا سلبيًا، عندما يصل إلى الإنسان صوت أو صورة أو حدث، لا يحدث مجرد تسجيل آلي لما وصل إليه.

الإدراك، بالمعنى الذي نقصده هنا، هو تلقي ومعاينة ما يرد إلى الإنسان، لكن هذا الوارد يدخل فورًا إلى منظومات لها تاريخها الخاص وخبرتها بذلك الوارد الجديد.

لو وقف عشرة أشخاص في المكان نفسه وشاهدوا الحدث نفسه، فلن تكون استجابتهم (ردود أفعالهم) بالضرورة متطابقة، فلكل واحد منهم تاريخ مختلف من المعرفة والخبرة والتجربة والتربية والعادة والمعايشة.

لذا قد يبدو الحدث الواحد خطرًا شديدًا بالنسبة إلى شخص، بينما هو أقل إثارة للقلق بالنسبة إلى شخص آخر، ليس لأن أحدهما يمتلك وعيًا والآخر لا يمتلكه، وإنما لأن الوارد الخارجي تفاعل معه النشاط الشبكي في كل دماغ بتاريخ مختلف.

وهنا تظهر أهمية الخبرة، فالإنسان الذي اعتاد سماع إطلاق النار، مثلًا، قد يسمع الصوت نفسه الذي يسمعه شخص لم يختبره من قبل، لكن الأول قد يتعرف إليه بسرعة، ويدرك مصدره أو طبيعته أو درجته، وربما لا يظهر عليه الاضطراب نفسه الذي يظهر على الثاني، ولا يعني ذلك أنه يعتقد أن الرصاص غير قاتل، ولا يعني بالضرورة أنه أشجع، وإنما خبرته السابقة جعلت الوارد مألوفًا بالنسبة إلى جهازه العصبي، فهيأت له طريقة مختلفة في المعالجة والتقدير.

هذا مثال واضح على أن التجربة السابقة لا تبقى خارج الوعي؛ إنها تدخل في تكوين الطريقة التي يستقبل بها الإنسان الواقع الجديد.

الإنسان نفسه أمام الحدث الواحد

لنأخذ موقفًا أكثر وضوحًا: مجموعة من الناس تواجه خطرًا مفاجئًا، فنجد أحدهم يفقد السيطرة على نفسه، وقد يضبط آخر أعصابه، وقد يهرب ثالث، وقد يبقى رابع في مكانه، وقد يبدو خامس غير مبالٍ.

لا يمكن أن نفسر ذلك بالحدث الخارجي وحده، لأن الحدث واحد ، إن الاختلاف يرتبط بما يحمله كل إنسان من تاريخ وخبرة ومعرفة وعادة وتكوين نفسي، إضافة إلى حالته العصبية والجسدية في تلك اللحظة.

وقد يبدو شخص غير مبالٍ لأنه شجاع، وقد يبدو غير مبالٍ لأنه لم يدرك خطورة الموقف أصلًا، وقد يكون شخص آخر شديد الخوف، لكنه يستخدم فهمه وخبرته لكي يمنع الخوف من دفعه إلى الهرب.

هنا تظهر إحدى أهم خصائص الوعي: أنه ليس مجرد إحساس منفرد، وإنما يمكن أن تتداخل فيه المشاعر والاستجابة والمحاكمة العقلية.

الإنسان الخائف يشعر بالخوف، وقد يهرب، أوقد يضبط نفسه، وقد يفكر في كيفية التغلب على الخطر، هذه ليست بالضرورة ثلاثة أنواع من الوعي، ولا ترتيبا معينا في مدى ظهورها، وإنما تظهر على شكل ثلاث تجليات لحالة واعية واحدة.

فنشعر بأن الوعي، كمفهوم، يظهر لنا واحدًا، لكن التجربة الإنسانية تكشف لنا مظاهر متعددة له، ويمكن النظر إلى ثلاث مظاهر أساسية:

أولًا: المشاعر والانفعالات.

كالخوف والطمأنينة والقلق والفرح والألم وغير ذلك من الحالات الشعورية.

ثانيًا: الاستجابة والسلوك.

فالإنسان قد يهرب أو يقترب أو يتوقف أو يتحدث أو يضحك أو يبكي أو بضط نفسه أو يغير سلوكه استجابة لما أدركه.

ثالثًا: الإدراك والمحاكمة العقلية.

بفعل الوعي يستطيع الإنسان أن يحاكم الأمور فيفكر بها ليفهم ما يحدث مستعينا وعيه بكل ما لدى الدماغ من مكونات بصرية وذاكرة وانتباه وملاحظة، فيقدّر الخطر، ويقارن بين الاحتمالات، ويستدعي خبرته السابقة، ويضع خطته للتصرف.

هذه المظاهر الثلاثة قطعاً هي مترابطة، ومتزامنة، ولكن استجابة أحدها قد تطغى على الاثنتين الاخريين فهذا ممكن الأسبقية هنا قد تكون فيها نسبية المشاركة، لذا قد تبدو المشاعر “العواطف” هي التي تعبر الدموع – الابتسام – الهروب – الدهشة، وقد يُسلم الأمر أولا للمحاكمة العقلية للتفكير بالحل أو العكس قد تحصل ردة فعل معاكسة فتسبق المشاعر أو المحاكمة أن يسحب الشخص رجله مجرد أن شعر شيئا يمشي على قدمه.

هذه المظاهر العامة أو الرئيسة لعمل الوعي جميعًا تقوم على أساس واحد: هو نشاط الدماغ وشبكاته العصبية والتفاعل مع الوارد من الخارج.

ولا يعني ذلك أن لكل مظهر «مركزًا» منفردًا يمكن عزله عن بقية الدماغ، الأدق علميًا أن لكل وظيفة شبكات وآليات عصبية متعددة ومتداخلة، وهذه الشبكات تتفاعل فيما بينها بصورة مستمرة.

المعرفة ليست مجرد معلومات محفوظة

عندما نتحدث عن أثر المعرفة في الوعي، لا نعني بالمعلومات مجرد ما حفظه الإنسان من كتب أو أرقام أو تواريخ.

المقصود أوسع بكثير: المعرفة هنا هي مجمل الخبرات والتجارب والمعارف والعلوم والمهارات والعلاقات التي اكتسبها الإنسان خلال حياته، وبجملة ما استقر منها في ذاكرته وأصبح بفعلها قادرًا على التأثير في تعامله مع التجارب الجديدة.

الخبرة ليست مجرد معلومة محفوظة، وإنما هي أيضًا طريقة في رؤية الأشياء والتعرف إليها وتقديرها، لذا هي تشتمل على العادة كذلك وليست معلومة فقط، تتغير طريقة استجابة الإنسان من خلال المعرفة بحسب ما يواجهه، ومعايشة الطويلة للواقع الخارجي مما يجعل بعض المؤثرات تبدو مألوفة، فتمنح الإنسان قدرة مختلفة على التعرف إليها والتعامل معها.

ولهذا لا نقول: إن غنى وعي الإنسان يقاس فقط بعدد المعلومات الموجودة في ذاكرته، وإنما بما يستطيع دماغه أن يفعله بهذه الخبرات والمعارف: وكيفية ربطه ما بينها، وبمقارنتها، واستدعائها عند الحاجة.

من هنا يمكن القول إن الإنسان الأكثر خبرة ومعرفة هو أوسع وعيًا في بعض المجالات من إنسان أقل خبرة ومعرفة؛ لأن دماغه يمتلك تاريخًا أغنى يمكن أن يتفاعل مع الوارد الجديد على نحو أفضل.

الوعي ينمو مع الإنسان

مادام الوعي ناتجًا عن هذا التفاعل العصبي المستمر، فمن الطبيعي ألا يكون ثابتًا طوال الحياة، فالطفل لا يمتلك التاريخ العصبي والخبراتي الذي يمتلكه البالغ، والبالغ في بداية حياته لا يمتلك ما يملكه بعد عقود من التعلم والمعايشة والتجربة.

كل تجربة جديدة يمكن أن تضيف شيئًا إلى التاريخ الذي سيستقبل به الدماغ التجربة اللاحقة.

وهكذا لا تكون العلاقة: معلومة – وعي، بل: تجربة ومعرفة ومعايشة – وجميعها يؤدي لتغير في التاريخ العصبي الذي بدوره يقدم طريقة جديدة في استقبال الوارد ومعالجته وهو ما نطلق عليه بالوعي الجديد بالموقف، وهذا من شأنه أن يجعل الوعي عملية متحركة، تتغير مع تغير الإنسان.

لقد انتقل البحث العلمي الحديث بالوعي من التصورات التي تفصله عن الإنسان إلى البحث في أساسه العصبي والفيزيائي. وما زالت الخلافات قائمة حول كيفية تفسيره، لكن موضع البحث لم يعد بحاجة إلى افتراض روح مستقلة أو قوة غيبية تضاف إلى الإنسان، والإنجاز الحقيقي الذي ينبغي أن نبحث عنه ليس في مصدر خارجي للوعي، وإنما في الدماغ الإنساني ذاته: في هذا التنظيم الهائل للخلايا والشبكات العصبية الذي يجعل الإنسان قادرًا على الإدراك والشعور والمحاكمة العقلية والسلوك.

Translate »