
وكتب امانوبل بافرا…مرض نقص المناعة البشرية (الإيدز/HIV)… الخطر الصامت في البلاد
واجومانيوز
بقلم: إمانويل بافرا
ساقتني الاقدار في الايام السابقة الى مستشفى جوبا التعليمي، وتحديدا الى القسم الذي يشتهر بين الناس باسم «تحت نيمة» او «تحت النيم»، وهو القسم الاستشاري المعني بامراض السل ونقص المناعة البشرية (HIV/الإيدز).
هناك، تجاذبت اطراف الحديث مع عدد من الموظفين المسؤولين في القسم حول خطورة المرض، وجهود الحكومة والمنظمات في التصدي له، الى جانب مدى انتشار هذه الامراض في مدينة جوبا.
كانت في بدايتها مجرد دردشة عادية، لكنها انتهت بانطباع سيئ جدا عن واقع صحي واجتماعي مقلق، وعن خطر صامت يبدو انه يتوسع بفعل الاهمال من ناحية، واللامبالاة من ناحية اخرى، بينما يمثل انتشار تعاطي المخدرات وسط فئة الشباب احد العوامل التي تستحق المزيد من الانتباه والدراسة.
بحسب ما ذكره احد الموظفين، والذي يرتبط عمله بالمكان ويتابع بصورة مستمرة حركة المرضى، تستقبل المستشفى اعدادا كبيرة من الحالات الجديدة بصورة يومية. وذكر ان بعض الفئات العمرية الشابة، خاصة المراهقين والشباب، تمثل شريحة كبيرة ضمن الحالات التي تصل الى المستشفى. وبحسب حديثه، تتراوح اعمار بعض الحالات بين 14 و20 عاما، مع امتداد الاصابات الى فئات عمرية اكبر.
وهنا لا بد لي من الاشارة الى ان هذه الملاحظات المتعلقة بكثرة الحالات اليومية جاءت في سياق حديث غير رسمي مع موظف داخل المستشفى، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها احصائية رسمية ما لم تصدر عن الجهات الصحية المختصة. ولكن حتى مع ذلك، فان مجرد وجود هذا الانطباع لدى العاملين في القطاع الصحي يجب ان يدفع الجهات المختصة، بالتعاون مع قادة الاديان والمجتمع، الى النظر بصورة اكثر جدية في واقع المرض وانتشاره.
ونبه الموظف الى ان من اكبر المشكلات التي تواجه المجتمع، خاصة في مدينة جوبا، وهي عاصمة جنوب السودان، انه رغم الجهود التي تقوم بها الحكومة والمنظمات والشركاء الصحيون، لا تزال هناك تحديات كبيرة في الوصول الى جميع المصابين وتشجيعهم على الفحص والعلاج.
فبعض الاشخاص يتجنبون الكشف، وقد يعيشون فترة طويلة دون معرفة حالتهم الصحية، او يرفضون الاعتراف باحتمال الاصابة، الى ان يصل المرض الى مراحل متقدمة ويتم اكتشافه بصورة عرضية. وهنا تكمن خطورة اخرى تتمثل في ان الجهل بالحالة الصحية لا يحمي المجتمع، بل قد يزيد من احتمالات استمرار انتقال العدوى.
رغم الجهود التي تبذلها المنظمات بالتعاون مع الحكومة، فان استمرار المخاوف المتعلقة بالمرض يستدعي، في تقديري، النظر الى مجموعة من العوامل، من بينها ضعف التثقيف الصحي، والخوف من الوصمة الاجتماعية، وعدم الحصول على الدعم النفسي الكافي، الى جانب انتشار بعض السلوكيات عالية الخطورة من ناحية، كما ان التعامل النفسي مع المصابين لا يقل اهمية عن العلاج الطبي من الناحية الاخرى.
فالمصاب الذي يتعرض للوصم والعزلة والاحتقار قد يدخل في حالة نفسية خطيرة، وقد يفقد الدافع للالتزام بالعلاج او حماية الاخرين. لذلك فان مواجهة المرض يجب ان تقوم على العلاج والتوعية والدعم النفسي والاجتماعي، وليس على التخويف وحده.
وفي تقديري، فان التثقيف الصحي، مهما كانت اهميته، يحتاج الى ان يسانده تدخل قانوني واضح عندما يتعلق الامر بالسلوك المتعمد الذي يعرض حياة الاخرين للخطر. وفي هذا السياق، يضع قانون العقوبات لجمهورية جنوب السودان لعام 2008 اطارا جنائيا للتعامل مع بعض الافعال المرتبطة بنقل العدوى، من خلال المادتين 262 و263. وبحسب القراءة القانونية، تقوم الفكرة الاساسية في هذه النصوص على حماية الصحة العامة ومساءلة من يتعمد او يتسبب في تعريض الاخرين لخطر العدوى في الحالات التي ينطبق عليها النص القانوني.
بلغة القانون اهل القانون، تقوم الجريمة على ركنين اساسيين، وهما الركن المعنوي والركن المادي. فالركن المعنوي يرتبط بشكل وثيق بعلم الفاعل بحالته الصحية، او بادراكه لاحتمال وجود خطر، ثم قيامه بسلوك يمكن ان يؤدي الى انتقال العدوى.
وبحسب ما يتداول داخل المجتمع، هناك حالات يقال ان بعض المصابين، بعد اكتشاف اصابتهم وبدء العلاج وتحسن حالتهم الصحية، قد يتعمدون تعريض اخرين للعدوى. واذا ثبت مثل هذا السلوك امام الجهات المختصة، فانه لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مسألة صحية، بل يصبح ايضا مسألة قانونية تستوجب تطبيق القانون وفقا للوقائع والادلة.
اما الركن الثاني للجريمة، وهو الركن المادي، فيتمثل في الفعل المادي او الظاهر الذي يقوم به الشخص المصاب، متى كان هذا الفعل من الافعال التي يجرمها القانون وينطوي على خطر نقل العدوى.
وهنا يجب التفريق بوضوح بين الشخص الذي يجهل حالته الصحية، والشخص الذي يعلم باصابته ثم يتعمد تعريض الاخرين للخطر، لان المسؤولية القانونية لا ينبغي ان تخلط بين الحالتين.
ماذا يحدث اذا كان هناك رضا مبني على المعرفة؟
هذه نقطة قانونية مهمة.
ففي الحالات التي يتحدث عنها النص القانوني، تبرز مسألة ما اذا كان الطرف الاخر يعلم بحالة الشخص المصاب وبطبيعة المرض ومخاطره قبل الموافقة على العلاقة.
وهنا تصبح مسألة العلم والرضا والظروف المحيطة بالفعل من الامور التي تحتاج الى اثبات وتقييم قانوني، ولا يمكن اختزالها في مجرد وجود الاصابة.
اما المادة 263، فتتناول حالات ترتبط بتشديد المسؤولية عندما تتقاطع الاصابة بفيروس نقص المناعة البشرية مع جرائم الاعتداءات الجنسية، بحسب ما يورده النص القانوني. وتكمن خطورة هذه الحالات في ان الضحية قد تتعرض في الوقت نفسه للاعتداء الجنسي ولخطر صحي قد تكون عواقبه طويلة المدى. لهذا اتجه المشرع الى تشديد التعامل الجنائي مع بعض هذه الجرائم، باعتبار ان الاعتداء الجنسي لا يمثل انتهاكا للارادة والكرامة الجسدية والنفسية فحسب، بل قد يضيف اليه خطرا صحيا بالغا.
قد يتساءل القارئ: لماذا تتم معاقبة شخص يعاني اصلا من حالة صحية وقد تكون حالته النفسية مضطربة؟
وهنا نصل الى ما يعرف في القانون بـ«الفلسفة التشريعية للعقاب». وبناء عليها، تقوم فلسفة التجريم والعقاب في مثل هذه الحالات على مجموعة من الاعتبارات، من بينها حماية المجتمع، والردع، وتحميل الشخص المسؤولية عن السلوك الذي يعرض حياة الاخرين للخطر.
1️⃣ الحماية المباشرة والصحة العامة
ينظر المشرع الى بعض الافعال التي قد تؤدي الى انتشار العدوى باعتبارها خطرا على الصحة العامة، ولذلك يتم استخدام القانون الجنائي للحد من السلوكيات التي قد تؤدي الى استمرار سلسلة انتقال المرض.
2️⃣ الردع والمسؤولية
يضع القانون على الفرد مسؤولية عدم تعريض حياة الاخرين وسلامتهم للخطر، خصوصا عندما يكون على علم بحالته الصحية وبطبيعة المخاطر المرتبطة بها.
3️⃣ تشديد العقوبة في الاعتداءات الجنسية
تزداد خطورة الامر عندما تكون الاصابة مرتبطة باعتداء جنسي، لان الضحية تكون قد تعرضت لانتهاك ارادتها، وقد تواجه في الوقت نفسه خطرا صحيا اضافيا.
ومن هنا تأتي فلسفة التشديد التي يعتمدها المشرع في بعض هذه الحالات.
لكن يبقى السؤال الاهم: هل العقوبة وحدها تكفي؟ هنا تكمن القضية الاهم في رأيي. وبناء على ذلك، فان مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية لا يمكن ان تقوم على العقوبة وحدها. فالمجتمع يحتاج الى تشريعات فعالة، ولكنه يحتاج ايضا الى بيئة صحية تشجع الناس على الفحص المبكر والعلاج والافصاح الطبي المسؤول دون خوف من الوصمة.
فالخوف من المجتمع قد يدفع البعض الى عدم الفحص، وعدم الفحص يعني استمرار الجهل بالحالة الصحية، والجهل قد يزيد من خطر انتقال العدوى.
لذلك يجب ان تسير الحماية القانونية جنبا الى جنب مع التوعية الصحية، وتوفير العلاج، والدعم النفسي، ومحاربة الوصمة الاجتماعية، وتشجيع الفحص الطوعي.
في الختام، ما خرجت به من زيارتي لمستشفى جوبا التعليمي لم يكن مجرد حديث عن مرض، بل كان تذكيرا بخطر صحي واجتماعي يحتاج الى نقاش جاد ومسؤول.
فيروس نقص المناعة البشرية ليس قضية تخص المصابين وحدهم، بل قضية مجتمع كامل، والحماية منه لا تتحقق بالخوف او الوصمة او تجاهل المشكلة.
نحن بحاجة الى تثقيف صحي يصل الى الشباب، وفحص وعلاج متاحين، ودعم نفسي للمصابين، وتشريعات واضحة تطبق على من يتعمد تعريض الاخرين للخطر، وفي الوقت نفسه تحمي حق المريض في العلاج والكرامة.
كما ان انتشار المخدرات وسط الشباب يستحق اهتماما خاصا، ليس باعتباره قضية امنية فقط، بل باعتباره ايضا قضية صحية واجتماعية يجب التعامل معها عبر التوعية والوقاية والعلاج.
في النهاية، مواجهة الإيدز تبدأ من الاعتراف بوجود الخطر، ثم مواجهته بالعلم والقانون والمسؤولية والرحمة.
فالمرض قد يكون صامتا، لكن مسؤوليتنا تجاه المجتمع يجب الا تكون كذلك.
حمانا الله وإياكم، وربنا يشفي المرضى.
السبت ١٦ اغسطس ٢٠٢٦م
جوبا