وكتب باطومي ايول ..عيد الاستقلال… حين تنزف الأحلام

واجومانيوز

بقلم: باطومي أيول

في كل عام، يحل التاسع من يوليو حاملاً معه ذكرى استقلال جنوب السودان ، لكن هذا اليوم لم يعد بالنسبة لكثيرين مناسبة للاحتفال بقدر ما أصبح فرصة لمراجعة الذات واستحضار الأحلام التي لم تكتمل.

 

كنت، كغيري من أبناء هذا الوطن، أحمل أملاً كبيراً في أن يكون الاستقلال بدايةً لعهد جديد، تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُبنى فيه دولة العدالة والمساواة.

 

كنا نرسم صورة لوطن يتسع للجميع، وطن لا مكان فيه للتمييز أو الإقصاء، ولا يعرف الظلم أو التهميش.

 

في ساحات الجامعات، كنا نهتف بثقة: “غداً أحرار نحن… غداً عواز نحن.” وكنا نؤمن بأن النضال من أجل الحرية هو الطريق إلى مستقبل أفضل.

لم تكن الهتافات مجرد كلمات، بل كانت عهداً قطعناه على أنفسنا، ودفع كثيرون ثمنه من أعمارهم ومستقبلهم، بل ومن أرواحهم.

كنا نردد: “الموت لنا أهون من عيشٍ مذلول.” ونهتف: “اصرخ… اصرخ بأعلى صوت، إن النضال حق لكل شعب مقهور.” ولم يكن ذلك حماس شباب فحسب، بل كان إيماناً عميقاً بأن الاستقلال سيقود إلى بناء دولة المواطنة والكرامة.

 

لكن، وبعد سنوات من الاستقلال، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: من الذي خان ذلك العهد؟ هل أخفق قادة النضال في تحقيق تطلعات الشعب؟ أم أن آمال المواطنين كانت أكبر من قدرة الدولة الوليدة على تجاوز تحدياتها؟

 

فحين أتأمل وجوه رفاق النضال في الحركة الطلابية، أشعر بمرارة عميقة. كثيرون غادروا هذه الدنيا وهم يحملون في قلوبهم حسرة الوطن الذي حلموا به ولم يروه. من بينهم وور جون، نياقو، كوات، مناوا فيتر، سابينو توم، ومؤخراً العزيز علي عدلان، وغيرهم من أبناء هذا الجيل الذي قدّم الكثير ولم يحصد إلا القليل.

 

أما من بقي منهم، فقد أنهكتهم قسوة الحياة، وتقطعت بهم سبل العيش الكريم. بعضهم اختار الصمت، وبعضهم استسلم لواقع فرضته المصالح، فيما لا يزال آخرون يتمسكون بالأمل، رغم كل الخيبات.

إن الحديث هنا ليس دعوة إلى جلد الذات، ولا إلى إنكار ما تحقق من مكاسب، فقيام دولة جنوب السودان سيظل إنجازاً تاريخياً لا يمكن التقليل من شأنه. لكنه أيضاً دعوة صادقة إلى الاعتراف بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا باستقلال المواطن من الخوف، والفقر، والفساد، والظلم، ومن كل ما يهدر كرامته.

ومن هنا، أتوجه إلى جيل الحركة الطلابية، الذين كانوا ناشطين في التنظيمات السياسية التي رفعت راية استقلال جنوب السودان، ومنها الجبهة الجنوبية الحديثة (MSF) والجبهة الديمقراطية المتحدة (UDF)، وإلى كل من شارك في صناعة هذا التاريخ، بسؤال يستحق أن نواجه به أنفسنا قبل غيرنا:

إلى متى سنظل نخون أحلام شعبنا؟ إن عيد الاستقلال لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال بالأعلام والأناشيد، بل مناسبة لتجديد العهد مع الشعب، وتصحيح المسار، وبناء دولة يسودها القانون، وتحترم فيها الحقوق، ويشعر فيها كل مواطن بأن تضحيات الأمس لم تذهب سدى.

عندها فقط، سيصبح التاسع من يوليو عيداً للفرح، لا ذكرى تؤلم القلوب وتوقظ الجراح دعونا نذكر انفسنا باننا كنا على حق وان الواقع الان غير جيدة.

تم

Translate »