وكتب مارتن جون…مسيرتي مع علي عدلان

واجومانيوز

بقلم: مارتن أجاوين

تعرفت على الأخ والصديق الراحل علي عدلان نور الدين في منتصف تسعينيات القرن الماضي في مدينة الرنك، حين كنت أدرس بمدرسة الرنك (1) الأساسية، بينما كان هو يدرس بمدارس المجمع الإسلامي. ثم جمعتنا لاحقًا الخدمة الوطنية ومنها انطلقت رحلتنا المشتركة في العمل السياسي داخل تنظيم الجبهة الجنوبية الحديثة (MSF)، حيث كان علي عضوًا في مركزية جامعة جوبا، بينما كنت أنا في مركزية جامعة أعالي النيل. وكان من الكوادر الشابة التي يُشار إليها بالبنان، مؤمنًا بقضية شعب جنوب السودان وحقه في تقرير المصير واختيار الانفصال.

بعد تخرجنا، التقينا مجددًا بمدينة ملكال عاصمة ولاية أعالي النيل. كان علي يقيم في منزل العم موما تايقر، مستشار الشؤون الاقتصادية بحكومة الولاية، بينما كنت أملك متجرًا لبيع الهواتف المحمولة في سوق ملكال الكبير، فكنا نقضي معظم أوقاتنا معًا.

ومن خلاله عرفت أن ولاية أعالي النيل تضم خمس مجموعات رئيسية هي: الشلك، الدينكا، النوير والمابان بالإضافة إلى قبيلة كوما التي ينتمي إليها الراحل علي عدلان نور الدين، لقد تربينا على أن لا نسأل عن القبائل قبيلتنا كانت جنوب السودان اي نحن جنوبيين فقط .

في الذكرى السنوية لتأسيس الحركة الشعبية والجيش الشعبي في 16 مايو 2008، كنا معًا في سوق ملكال بالقرب من قسم مبيعات الكهرباء ، حين سمعنا أغاني الحركة الشعبية. عندها انجذب على عدلان الي ذاك المكان و اخذ الميكرفون و اخذ يردد أناشيد وقصائد الجبهة الجنوبية الحديثة، فنال إعجاب الحضور، وكانت تلك خطوة نحو انضمامه إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان.

عُيّن بعد ذلك بوزارة الشؤون البرلمانية، التي كان يتولاها آنذاك هنربول الراحل بورواج، أحد أبناء قبيلة كوما، كما عمل ايضا منسقًا لبيوت الشباب بمنظمة قرى الأطفال SOS.

وفي اواخر عام 2008 التحقت أنا أيضًا بالمنظمة بوظيفة مشرف بيوت الشباب بتوصية من الراحل علي عدلان. كنا نسكن معًا في غرفة واحدة وراكوبة نحن ألاربعة علي عدلان من قبيلة كوما، الضابط مارناس فول فوك من قبيلة النوير، وليم نقويت (صندل) من قبيلة الدينكا وشخصي الضعيف من قبيلة الشلك. كان منزلنا يمثل نموذجًا مصغرًا لجنوب السودان يجتمع فيه الشباب من مختلف المكونات، في حي الأزاندي بمدينة ملكال.

وفي انتخابات عام 2010، ترشح علي عدلان ضمن القائمة الحزبية للمجلس الوطني الانتقالي بالخرطوم، إلى جانب الراحل هنربول دينق شول من منطقة الرنك. وبعد فوزهما، انتقل علي إلى البرلمان، وأوصى بترقيتي إلى منصب منسق بيوت الشباب في المنظمة.

ظل التواصل بيننا مستمرًا، وكلما سافرت إلى الخرطوم كان يستقبلني في منزله العامر بضاحية أركويت – البلابل بكل ترحاب وكرم.

ورغم اختلاف توجهاتنا السياسية ، وانتمائي آنذاك إلى حزب التغيير الديمقراطي، فإن ذلك لم يؤثر يومًا على علاقتنا الأخوية. فقد كان يؤمن بأن الصداقة والاحترام أكبر من الانتماءات الحزبية.

وبعد استقلال جنوب السودان وتعيينه عضوًا في البرلمان الوطني بجوبا، استمرت علاقتنا كما كانت. وعندما استقيلت من المنظمة و سكنت في جوبا، كنت ألتقيه في منزلهم بحي مونيكي – سوق مليشيا، حيث كنا نلعب كرة القدم ونجتمع مع الإخوة في جلسات الود وكان يقيم مع السفير بنجامين رافل أبان، جنابو كيال فاروق، وأشويل رمضان أشويل، والحارس أحمد بوفون. كانوا جميعًا أسرة واحدة تربطهم المحبة قبل أي شيء.

لم يكن علي يختار أصدقاءه على أساس القبيلة أو صلة الدم بل على أساس الأخلاق والسلوك وتقارب الأفكار. فقد كان يحمل في داخله روح القومية الجنوبية التي تربى عليها داخل الجبهة الجنوبية الحديثة وكانت جزءًا أصيلًا من شخصيته.

ورغم أن الحياة فرقت بيننا فإنها لم تقطع حبل التواصل سواء عبر المكالمات الهاتفية أو عبر “ماسنجر”. وحتى عندما كنت عضوًا في اتحاد شباب جنوب السودان خلال مؤتمره الثاني كان علي من أكبر الداعمين لي وكان دائمًا يفرق بين الخلافات السياسية الضيقة والعمل الوطني مؤمنًا بأن بناء الدولة يحتاج إلى تضافر جهود الجميع بعيدًا عن الانتماءات الحزبية.

ومن خلال الراحل المقيم على عدلان تعرّف الكثير من الشباب على قبيلة كوما في مقاطعتي مايوت و لونقشوك وعلى إسهامات أبنائها في مسيرة التحرير. كما عرفت عبره الرائد جعفر مون خلال انتخابات 2010، والذي فقدناه في أحداث ديسمبر 2013 المؤلمة، وكذلك المذيع الراحل تاكوون بإذاعة صوت السلام في ملكال، والسلطان حسن بادي، وغيرهم من أبناء قبيلة كوما.

لقد كان علي عدلان إنسانًا وطنيًا، يؤمن بالتعايش، ويجسد معنى الوحدة في حياته اليومية قبل أن يتحدث عنها.

نم قرير العين يا علي.

رحلت مبكرًا لكن ذكراك الطيبة، ومواقفك النبيلة، ستظل خالدة في قلوب كل من عرفك وعمل معك وسار إلى جانبك.

رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.

Translate »