وكتب /باطومي ايول…. سئمنا

واجومانيوز

بقلم باطومي إيول

عنوان هذا المقال يكاد يكون وصفًا آخر لحالة اليأس التي يعيشها شعب جنوب السودان اليوم، مع التعقيدات التي طرأت على سيرورة الحياة اليومية. الحقيقة المسكوت عنها الآن أن جميع فئات المجتمع قد سئمت بالفعل: الشباب، الرجال، النساء، وحتى أطفالنا لم تعد طفولتهم كما كانت؛ فهم لا يأكلون ما يريدونه، إن لم تنعدم تلك الإمكانيات أصلًا.

سئم الشعب من تعاطي القيادة الحالية مع أمور معيشتهم، فقد أضحوا قادة لأنفسهم فقط. استبدّت بهم الأنانية والخوف، فلم يعد للضمير مكان. تناسوا دورهم تجاه الشعب، واتخذوا منه أضحوكة، يكذبون عليه ويكذبون له بحجة أن “السياسة هكذا”، والحقيقة خلاف ذلك.

كيف لا يعبّر الشعب عن موقفه ليُعلم الحكومة أن صمته الآن مريب؟ ليس جبنًا، ولا خوفًا، ولا ضعفًا، ولا استسلامًا، بل لأنهم في الحقيقة يفكرون في ما لا يُتوقع. صحيح أن السلطة تمتلك القدرة ووسائل القمع والاضطهاد لإسكات الشعب لبرهة، ولكن تأكدوا أنهم لن يصمتوا إلى الأبد. ستأتي لحظة الرفض والانفجار، لأن الأمر بات متعلقًا بمسألة العيش الكريم: اللقمة، الشرف، والأرض.

كيف لا، والعيش بكرامة في الوطن أصبح -للأسف- غير موجود؟ تخيلوا أن التعليم، والرعاية الصحية، والأمن، والطمأنينة، كلها غائبة. أصبح غالبية الشعب متسولين بدرجات ومستويات وأشكال مختلفة، حتى داخل الرئاسة الجمهورية ولكن بصورة دبلوماسية عبر اللوبيات السياسية: “ادفع، سنأتي بك إلى السلطة”.

أضحى الشعب يتوسل حتى للحصول على حقوقه، في وقت تمتلك فيه البلاد موردًا كافيًا للعيش الكريم، وهو البترول. انظروا إلى صفوف البنوك، فقط لاستلام مبلغ بسيط لا يكفي لاحتياجات يوم واحد، أو حتى للجلوس في مقهى.

الحقيقة المُرّة أن المواطن في جنوب السودان يبكي بصمت. سئم من الوضع وغياب الأمل، من الخداع والتنكيل، ومن مكر القيادة. سئم من قيادة تكرر الأخطاء ذاتها على مدار 14 عامًا بلا جديد، سوى وعود لا تُجدي نفعًا، لا تخدم إلا بطون القادة الذين همّهم نهب المال والموارد عبر السلطة. وبات الطريق الأسرع للثراء هو الوصول إلى السلطة.

سئم المواطن من الحروب المصنوعة التي تُفتعل لتعكير الأجواء وتبديد الآمال، في سبيل البقاء في السلطة، مقابل تجريده من ولائه للوطن واستبداله بولاء للأشخاص تحت وطأة الخوف.

سئم المواطن من وعود الإصلاح المستمرة بلا ثمار، حتى أصبح مشروع “الإصلاح” حلمًا بعيد المنال، وكأن إرادة القيادة تتجه نحو قهر الشعب وتعزيز يأسه. وأصبح صاحب مشروع الإصلاح عدوًا يُضيَّق عليه، لأنه يهدد مصالح من ينهبون الثروات ويفسدون الحق.

لا تذهبوا بعيدًا، لماذا تدهورت أخلاق الناس في الشوارع؟ ألم تتساءلوا عن السبب؟ عزيزي القارئ، الجوع وضيق المعيشة هما السبب الرئيسي في هذا التدهور النفسي، وانتشار الأمراض، والموت في الطرقات. هذا الضيق سيولد غبنًا اجتماعيًا تجاه القادة، وعندما يدرك الناس أنهم كانوا مخدوعين طوال هذه الفترة، سيقولون: “سئمنا”.

وماذا بعد ذلك؟ لا تظنوا أن القبلية ستظل سلاحًا فعالًا؛ فالجوع لا يعرف القبلية. لقد ضعفت أمام قسوة الحياة، وأصبحت عقيدة الجياع في مواجهة الكذب والخداع هي: “سئمنا”.

لذلك، على القادة أن يدركوا أنهم أمام تحدٍ كبير، حتى وإن فات الأوان جزئيًا. عليهم أن يعودوا إلى رشدهم، وأن يحترموا مشاعر شعبهم: النساء، الأطفال، الشباب، وكبار السن. عليهم أن يتذكروا أن لكل شيء وقتًا، كما ورد في الكتب المقدسة، وأنه عندما يحين الوقت، سيجدون أنفسهم خارج دائرة السلطة.

هذا ليس رأيًا شخصيًا فحسب، بل هو ما يقوله التاريخ وتجارب الأمم: عندما تنفجر قوة الشعوب، فإنها تكون موجة عاتية لا يقف أمامها شيء. نعم، قد يسقط من يسقط، لكن سيعيش الآخرون بكرامة جديدة.

ورغم صعوبة فهم الظرف الحالي وما يحيط به من تحديات جسيمة، فإن فترات صعبة قادمة في مسيرة بناء الأمة، وربما تدفع القيادة الحالية ثمنها، لأن الشعب يرى فيها العائق أمام آماله وتطلعاته.

الحقيقة الصامتة أن التحدي السياسي كبير، لكن التحدي المعيشي أكبر وأخطر، وهو ما يجب أن تخشاه القيادة الحالية أكثر من أي شيء آخر، في الوقت الحالي ، وعليهم ان يبدوا فكرة جديدة لانقاذ الوضع ..ولكن  صراحة .”سئم المواطن في جنوب السودان”.

تم….

 

Translate »