
هل إعلان جبريل أيزك نائباً لرئيس الحركة الشعبية بأعالي النيل يخالف الدستور؟
بقلم فرانسيس مايكل قوانق
تُشكل الانتخابات الداخلية للأحزاب السياسية الاختبار الحقيقي لمدى التزامها بمبادئ الحوكمة والديمقراطية وسيادة القانون التي تنادي بها في أدبياتها، لكن ما شهدته ولاية أعالي النيل والذي أسفر عن فوز استيفن ضيو بمنصب رئيس الحزب بالولاية متفوقاً على منافسيه، وإعلان جبريل أيزك “الحاصل على 38 صوتاً” نائباً للرئيس، يمثل حالة دراسية تستدعي القراءة النقدية والتفكيك وفقاً لدستور الحركة الشعبية (تعديل 2015).
من الناحية الإجرائية الشكلية، يُعتبر فوز استيفن ضيو بمنصب رئيس الحركة الشعبية بالولاية خطوة متسقة مع أحكام دستور الحزب لعام 2008 (تعديل 2015)؛ إذ تنص المبادئ التنظيمية ومؤتمرات الولاية على أن أعلى سلطة سياسية هي مؤتمر الولاية (State Congress) الذي يُعقد مرة كل خمس سنوات. وحصول المرشح على الأغلبية العددية بأصوات المندوبين يُضفي الشرعية التنظيمية الدستورية على صعوده لرئاسة الحزب، استناداً إلى المادة (31/1-د) التي تنص على أن من صلاحيات مؤتمر الولاية: “انتخاب رئيس الولاية (State Chairperson)، وأعضاء مجلس تحرير الولاية (SLC)، ومندوبي المؤتمر القومي (NC)”.
إن الخلل الدستوري والمخالفة الصريحة يتجليان بوضوح في التكييف القانوني والآلية التي أُعلن بها جبريل أيزك نائباً للرئيس. إن الافتراض الشائع بأن المرشح الحاصل على المركز الثاني في انتخابات الرئاسة يصبح تلقائياً نائباً للرئيس قد يُعد تجاوزاً لنصوص دستور الحركة وتفسيراً خاطئاً لقواعد العمل التنظيمي.
بالرجوع إلى المادة (33/1) من دستور الحزب، نجد أنها أفردت آلية حصرية ومستقلة تماماً لاختيار نائب رئيس الولاية؛ حيث تنص صراحة على أن “مجلس تحرير الولاية (SLC) ينتخب نائب رئيس الولاية (State Deputy Chairperson)، ويجوز له إقالته بقرار يصدر بأغلبية بسيطة لأعضائه، إما بناءً على توصية مسبقة من رئيس الولاية أو بناءً على طلب يقدمه على الأقل ثلث أعضاء المجلس”. وبالتالي، فإن تحويل المنافسة الرئاسية المباشرة إلى آلية لتوزيع المناصب القيادية العليا بصورة “صكوك مبرمة” يُعد التفافاً على صلاحيات مجلس تحرير الولاية ومصادرة لحقه الدستوري الأصيل في الانتخاب والاعتماد.
تكتمل هذه المخالفة الدستورية في الدور غير الدستوري الذي أداه الأمين العام القومي بإعلانه هذه النتائج وتسمية النائب. فالأمين العام بحسب المادة (27/1-أ) هو الرئيس الإداري والتنفيذي للحزب، ودوره ينحصر في تسيير الأجهزة الإدارية ورفع التقارير ومتابعة الاعمال التنظيمية. ولا يمنحه الدستور أي سلطة تقديرية أو استثنائية لتنصيب نواب للرؤساء أو تجاوز الآليات التنظيمية المنتخبة، مما يضفي على إعلانه صبغة التجاوز الإداري الفاضح للصلاحيات وتجاوز الهياكل التشريعية للولاية.
إن الإعلان غير المدروس من قِبل الأمين العام والذي أشبه ممارسات التنظيمات الطلابية والجمعيات السطحية، يعكس مأزق تغليب التسويات والتوافقات السياسية الفوقية على حساب النصوص الدستورية الصريحة. ورغم أن التوافقات قد تهدف ظاهرياً للحد من الاستقطاب الداخلي، إلا أن تطبيقها خارج الأطر واللوائح المعتمدة يُضعف المؤسسية، ويثبت عرفاً تنظيمياً خطيراً يُفرغ مجالس التحرير (SLC) من مضمونها التشريعي والرقابي. إن الالتزام بالدستور نصاً ورويداً هو الضمان الوحيد لاستقرار العمل الحزبي وبناء تجربة ديمقراطية راسخة، تعزيزاً لما ورد في المادة (5/9) بشأن إرساء مبادئ الحوكمة الرشيدة، الشفافية، والمساءلة.
بناءً على ما تقدم، من المتوقع أن يلجأ أعضاء الحزب إلى الطعن في الإجراء الإداري الصادر عن الأمين العام أكول فول، للمطالبة بإلغائه والعودة إلى مسار اختيار نائب الرئيس وفقاً للآلية الدستورية البحتة عبر مجلس تحرير الولاية، أو العودة إلى قرارات التعيين الفوقية من الرئيس سلفاكير كما حدث في السنوات الماضية.
وعليه، لا يمكننا التكهن بما يمكن أن يُعول عليه غداً نسبة لصعوبة التحول الديمقراطي داخل الحركة الشعبية، وكما شهدنا مسبقاً نماذج سلبية مشابهة في ولايات أخرى كنظيرتها في ولاية الوحدة.
(الكاتب اعتمد على دستور الحركة الشعبية المتوفر للعام، ما لم يكون هناك دستوراً اخر للحركة الشعبية غير منشور).