
وكتب ..نضال بلال ..الزمن والسجين والأبدية
واجومانيوز
بقلم: نضال بلال
لنتخيل سجينًا خُدّر ثم عُزل تماماً عن العالم الخارجي، وُضع في زنزانة لا يدخلها ضوء النهار، فيها فقط ضوء ثابت لا يتغير، ومُنعت عنه كل وسيلة يمكن أن تخبره بالوقت أو التاريخ أو مدة بقائه، ثم تُرك فترة من الزمن، شهراً مثلاً أو أقل، قبل أن نوقظه ونتركه يعيش في الزنزانة بالشروط نفسها.
عندما سيستيقظ، لن يعرف شيئاً عن الزمن الذي مضى، لن يعرف كم بقي نائماً، ولا كم مضى على دخوله الزنزانة، ولا في أي وقت من اليوم هو، وإذا طلبنا منه أن يقدّر المدة التي مرت، فسيحاول، لكنه سيكون متخبطاً؛ لأنه فقد جميع العلامات والمقاييس التي كان يعتمد عليها في حياته السابقة.
ولكن لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في عالم لا يخضع لتنظيم أحداثه، سيبدأ السجين في البحث عن شيء يُمكّنه من أن ينظم ويسلسل ما يحدث حوله ويكون قابلاً للملاحظة والمقارنة، فيأخذ يلاحظ نومه واستيقاظه، وجوعه وشبعه، وحاجته إلى التفريغ، وعدد الخطوات التي يمشيها في الزنزانة، أو أي ظاهرة أخرى تتكرر أمامه.
ولكن لما لاحظ أن في زنزانته حنفية تقطر بانتظام، نهض ووضع تحتها وعاءً ، ثم بدأ يعدّ القطرات، ثم جمع كل عدد منها ومنحه اسماً خاصاً به، قد يقول مثلاً: كل خمسين قطرة “وحدة”، أو “نظرة”، أو “شوطًا”، ثم لاحظ أنه بعد أن مشى بالزنزانة من طرف إلى طرف، قد تجمع لديه عدد من وحدات الماء، أو الاشواط التي باتت بالنسبة إليه تشكل معلومة مهمة في حساب المدة التي يستغرقها في قطع الزنزانة من هذا الطرف إلى الآخر، وبفعلها أصبح قادراً على استخدام هذا المعيار لتنظيم ما يحدث حوله والتعايش مع حياة السجن.
هو لم يجد ساعة مخفية في الزنزانة، ولم يكتشف دقيقة كانت موجودة قبل أن يدخل إليها، ولم تخبره القطرات بأن الفاصل بينها يجب أن يكون ثانية أو دقيقة، أو وحدة، لقد صنع لنفسه معياراً من شيء يتكرر أمامه، ثم أعطى هذا المعيار اسماً، واستخدمه لكي يجعل تجربته أكثر وضوحاً وتنظيماً، وهنا تبدأ المسألة التي تتجاوز السجين نفسه.
فالإنسان لم يخترع التغير في الوجود، التغير كان موجوداً أمامه منذ البداية، رأى الشروق والغروب، ولاحظ تعاقبهما، ورأى تغير الفصول، ولاحظ عودة الظواهر وتكرارها، لكنه لم يكتف بملاحظة ما يحدث، فبدأ يمنح هذه التغيرات والتعاقبات أسماء، ويحدد ما بينها من فواصل، أسابيع وأشهر وسنوات ومواسم، وأخذ يقيم لتلك المتغيرات مقاييس ومواقيت.
فالشروق حدث، والغروب حدث، لكن “الظهر والعصر والمغرب” فواصل ما بين الحدثين، وهذه المسميات أصبحت مفاهيم يستخدمها الإنسان لتنظيم ما يلاحظه.
لقد بدأ يحسب الفواصل بين هذه الأحداث، فقسمها إلى وحدات أكثر دقة، ووضع لها أسماء وقوانين وعلاقات وتزامنات، ومن المواقيت انتقل إلى الساعات، ومن الساعات إلى الدقائق والثواني، ثم إلى وحدات أدق بكثير من قدرة حواسه ووعيه المباشر على إدراكها…
الأرض نفسها لا تعرف أنها تدور، ولا تعرف أنها قطعت دورة كاملة، ولا تعرف أن الإنسان سمّى وحدد مدة دورتها باسم أطلقه عليها وهو “اليوم”، ولا تعرف أن الإنسان قسم ذلك اليوم إلى ساعات، ثم الساعات إلى دقائق، ثم الدقائق إلى ثوانٍ.
الدوران حدث متغير واقع المظهر، أما هذه الأسماء والمقاييس فهي من صنع الإنسان، وهنا ينبغي أن نميز بين الأمرين: المتغير أمر واقع، أما الزمن فهو مفهوم ذهني وظيفي له دور في حياتنا، والإنسان هو الذي اخترعه لتنظيم ذلك المتغير الدائم الذي يلاحظه في حياته.
لقد احتاج الإنسان إليه لكي تستمر حياته ضمن نظام مفسر وواضح، شأنه شأن الإنسان الذي وجد نفسه في مكان مجهول لا يعلم عنه شيئاً، فيبدأ يتخذ له من بعض ملامح هذا المكان نقاطاً وعلامات ليستدل بها على بقية تفاصيل المكان كلها، ثم يأخذ من تفاصيل الظواهر المتكررة والطارئة على المكان من حوله نقاطاً أو علامات ينظم بها مشاهداته وتعاقب الأحداث لديه والفواصل بينها.
هذا ما فعله الإنسان الأول يوم لاحظ، فقرر أن يمنح الظواهر التي تحيط به صفات تساعده – إذا استخدمها- في تنظيم حياته.
ولذلك لم يكن اختراع الزمن محاولة للتغلب على شيء اسمه الزمن كما يتخيلونه، وإنما كان استجابة لحاجة الإنسان إلى تنظيم تجربته في عالم متغير، وكلما كانت حاجاته في هذا الشأن تزداد، كانت معرفته تتسع، لقد طور لاحقاً من هذا النظام، فأوجد مقاييس جديدة لأشياء لم يكن يستطيع إدراكها بحواسه مباشرة.
إلا أن الإنسان حين أصبح الزمن جزءاً من وعيه، فلم يعد يكتفي باستخدامه لتنظيم حياته وحسب، وإنما بدأ يستخدمه في ملاحظته للأحداث والأشياء من حوله، فوجد أن ما يراه يبدأ، ثم يستمر، ثم ينتهي، يولد الإنسان، يكبر، يشيخ، ويموت، تنشأ الأشياء ثم تتغير ثم تزول، ومن تكرار هذه الصورة في تجربته، أصبح مفهوم البداية والنهاية جزءاً من الطريقة التي يفكر بها في الوجود.
هنا حدث الانتقال المهم: لم يعد الإنسان يستخدم الزمن لتنظيم ما يراه فقط، بل بدأ يستخدمه لتفسير ما لا يستطيع أن يراه.
فإذا كانت الأشياء التي يعرفها تبدأ وتنتهي، فلماذا لا يكون لوجوده نفسه بداية ونهاية؟ وإذا كانت كل بداية تقود، في تجربته، إلى نهاية، فلماذا لا يكون للخلق بداية ونهاية؟
من هنا بدأ الإنسان، وبفعل اختراعه للزمن، يصنع تصورات عن بداية الخلق، لم يكن أمامه ثمة حدث يمكنه أن يشاهده، لكنه امتلك النموذج الذهني الذي بناه من تجربته فأخذ يستخدمه: بداية، ثم امتداد، ثم نهاية، لقد أسقط الإنسان هذا النموذج الذي تصوره على الوجود، وبناء عليه بات لكل جماعة في الأرض تصورها عن الوجود ونشأة العالم وبدايته، ولكل منها نموذجها المُتَخيَّل، وهو يرتبط بحسب ما توفر لديها من معرفة وتجربة وبيئة ومخيلة في هذا الشأن.
هكذا ظهرت حكايات الخلق المختلفة في أنحاء الأرض، هي تبدو مختلفة في تفاصيلها، لكنها تشترك في محاولة الإجابة عن السؤال نفسه: كيف بدأ كل هذا؟ والجميع يتبعون معياراً واحداً، هو الزمن، ما دام ثمة بداية، إذن بالمقابل لابد من وجود ثمة نهاية، والدليل هو الموت.
لذا لم يكن الموت أقل حضوراً في تشكيل هذه التصورات، الإنسان بفعله لاحظ الفارق بين الحالتين الوجوديتين، الولادة والموت، وما بينهما: نمو وشيخوخة، لذا الموت بالنسبة إليه لم يعد مجرد تغير؛ بل إنه نهاية لحياة يعرفها ويعيشها وكان يرغب في استمرارها، ولكن لأن الإنسان لا يريد أن تكون النهاية مأساوية وهو عاجز عن دفع حتميتها، بدأ يفتش عن امتداد آخر لحياته، أحياناً يجده رمزياً متجسداً بالأشياء المحيطة به وأحياناً يتجسد له كحلم متخيل، فأيخذ يردد: إذا انتهت هذه الحياة، لا بد من أن تبدأ حياة أخرى، وإذا كان الموت نهاية مرحلة، فربما يكون ذلك بداية لمرحلة جديدة، وهكذا ظهرت تصورات عن حياة أخرى، وعوالم أخرى، ودورات أخرى للوجود، تختلف صورتها من مجتمع إلى آخر، ومن إنسان إلى آخر، لكنها جميعاً تأتي في امتداد السؤال نفسه عن النهاية وما بعدها.
هنا ظهر أثر الزمن بالصورة الأعمق: فالإنسان الذي بنى مفهوم البداية والنهاية من تجربته مع المتغير، واستخدم هذا المفهوم نفسه لكي يتخيل ما يتجاوز النهاية، أصبح قادراً على تصور أبدية لا يعيشها، وحياة أخرى لا يستطيع مشاهدتها، ووجوداً ممتداً إلى ما بعد الموت.
من هذه التصورات نشأ من جديد سؤال آخر أكثر تعقيداً: إذا كانت هناك حقيقة وراء هذا الوجود، وإذا كان هناك أصل وبداية ونهاية وما بعد النهاية، فمن يملك التفسير الأقرب إلى الحقيقة؟
هنا بدأ الصراع على المعرفة
لم يعد الأمر مجرد محاولة فردية لفهم المجهول، وإنما أصبحت هناك تصورات متعددة للوجود، وكل تصور يقدم تفسيره الخاص، ومع مرور الزمن، لم يعد الاختلاف يدور حول السؤال أو التفسير وحده، بل حول من يملك حق تفسيره، ومن يملك القول إن تفسيره هو الأقرب إلى الحقيقة.
من هنا نشأت واحدة من أخطر النتائج التي ترتبت على هذه المسيرة: أن تحولت بعض التصورات عن الوجود من محاولات لفهم المجهول إلى أنظمة مغلقة لا تقبل لا المنافسة ولا النقاش، وإنه لمن البدهي أنه عندما يصبح تفسير معين سلطة، فإنه لا بد من أن تشكل كل معرفة ذات تفسير مختلف تهديداً لهذه السلطة.
من هناا بدأت الحرب، بدايتها كانت تصورات معرفية، ولكن بعد أن بات لكل تفسير جهة تؤيده وتحميه، فلم تعد القضية هنا قضية ذلك الإيمان الروحاني بوصفه تجربة إنسانية صرف، وإنما تحول إلى قضية احتكار معرفي في تفسير الوجود، فنشأت ضرورة ملحة للمحافظة على هذا التفسير، وذلك لارتباط السلطة به وما يتبع ذلك من نفوذ ومكاسب.
لقد أصبح التفسير المطروق أهم من البحث عن الحقيقة نفسها، وأصبح السؤال الذي كان في بدايته بحثاً عن المعرفة سبباً في مقاومة المعرفة الجديدة.
الإنسان ما زال إلى اليوم يعيش آثار البناء المعرفي الذي أنشأه، وقد بدأه كما أشرنا من حاجة قد تبدو بسيطة جداً: أن يفهم ما يحدث حوله وأن ينظم حياته.
ولكنه لاحقًا صنع منه مفهوماً ذهنياً وظيفياً أسماه الزمن، ثم وضع لهذا الاختراع: وحدات ومقاييس ومواقيت ومزامنات، ةأصبح الزمن إطاراً تُنظم به الأحداث، ثم إطاراً يفكر الإنسان من خلاله في الوجود، ومن خلال هذا الإطار يتصور البداية والنهاية، ثم يتصور بداية الخلق ونهايته، ثم يطرح الأسئلة عن كيفية مواجهته للموت بعد أن يحين الوقتوالرحيل النهائي بل التلاشي، ولهذا فقد تصور حياة أخرى وأبدية أخرى.
إذاً: لم يبقَ اختراع الزمن محصوراً في الساعة التي نعرف بها موعداً، أو في التقويم الذي نعرف به يوماً وشهراً وسنة، لقد أصبح جزءاً من البنية التي يفكر بها الإنسان في نفسه وفي العالم وفي أصل الوجود ونهايته.
السجين في الزنزانة لم يخترع التغير؛ لقد كان التغير موجوداً حوله وسابقاً على الإنسان، لكنه احتاج إلى أن يصنع لنفسه معياراً ليفهم به ما يحدث، وربما كان الإنسان الأول قد فعل الشيء نفسه على نطاق أوسع: فرأى المتغير ثم صنع الزمن؛ ثم عاش داخل الزمن الذي صنعه، حتى أصبح ينظر إلى الوجود كله من خلال، ومن هنا تأتي المفارقة التي تقودنا إلى الأبدية:
الإنسان اخترع مفهوماً ليُنظم حياته داخل المتغير، ثم استخدم المفهوم نفسه لكي يتصور ما قبل الحياة وما بعدها، وبذلك صنع من مفهومه عن الزمن طريقاً إلى تصوره للأبدية التي لا يعلمها إلا القدير وحده.